غياب الوالدين وإنشغالهما الدائم، وتأثيره في تربية الطفل

 

42585df303f5dc6ed8ede9849fb4a97aالعائلة هي المؤسسة التربوية الأولية التي أوجدها المجتمع للحفاظ على نوعه وفيها يترعرع الطفل ويفتح عينيه في أحضانها حتى يشب ويستطيع الاعتماد على نفسه، بعدها يلتحق بالمؤسسة التربوية الثانية وهي المدرسة المكملة للبيت. ومما لاشك فيه أنّ الصحة النفسية للطفل ملقاة على عاتق الوالدين، فهو في سنواته الأولى يكون سهل التشكيل والتأثر بما حوله، فإما أن ينشأ مليئاً بالعقد والاضطرابات النفسية أو أن يكون صحيحاً نفسياً، وهناك أسباب تؤدي إلى الأضرار النفسية للطفل يتوجب على الوالدين وضعها نصب أعينهم ليضمنوا السلامة النفسية لأطفالهم، وتأتي أساليب وطرق التربية في أول المسببات والمؤثرات في نفسية الطفل، ولأنّ شخصية الطفل في تكوّن مستمر فذلك يلزم والديه على متابعته بشكل دائم، والحرص على تلقيه القيم الصحيحة، حتى ينشأ بشكل سليم، وقد أجبرت ظروف الحياة والمعيشة إلى إجبار العديد من الأمهات على العمل؛ مما يستوجب ترك الأطفال في المنزل مع الخادمة أو المربية أو بدونها، وعادةً ما يعمد الآباء لإشغال وقت الأطفال بتركهم أمام التلفاز وألعاب الفيديو، غافلين عن التأثيرات السلبية لترك الأطفال فترات طويلة في المنزل وما قد يتلقوه من متابعتهم المستمرة لبرامج القنوات التلفزيونية.
يعد إنشغال الأمهات عن الأبناء من أخطر الأشياء التي تؤثر سلبيا على حياة الطفل ، حيث ينتج عنها خلق المسافات بين الأباء والأبناء، ومن ثم قلة القدرة على التفاهم بينهم. رغم اعتبار العملية التربوية مسؤولية مشتركة بين الوالدين، إلا أن الأم تحظى بطبيعة الحال بالنصيب الأكبر، مما يجعل انشغالها عن أبنائها من الأمور التي من شأنها إحداث بعض التغيرات الجذرية في حياتهم. وتشير إحدى الدراسات إلى أن احتياج الطفل إلى وجود الأم يعتبر من المشاعر التي تتنامى مع مراحل النمو المختلفة، على عكس ما هو شائع بأنه بمجرّد اعتماد الطفل على نفسه تقلّ حاجته الماسة للأم.
إنّ الانشغال الدائم للأمهات يعدّ من العوامل التي تشكل خطورة كبيرة على حياة الأطفال، حيث تتهاوى العلاقات تدريجياً بين الأم والأبناء بسبب غياب الدور الفعلي لها في كافة الجوانب والأمور المتعلّقة بهم. أنّ شعور الأبناء بافتقاد القدوة ومصدر الأمان الأول في الحياة والمتمثل في الأم يؤدي إلى تطلعهم للبحث عن مصادر بديلة لتصبح كمثل أعلى بالنسبة لهم، الأمر الذي قد يجعلهم فريسة لبعض المغرضين.

150501_KIDS_Teething.jpg.CROP.promo-mediumlargeدفع انشغال الأمهات عن أبنائهن لإدمان جلوسهم فترات طويلة لممارسة الألعاب المتوفرة على الأجهزة الذكية، وأفقد الإدمان على ألعاب الأجهزة الذكية آلاف الأطفال، التواصل الاجتماعي مع محيطهم الخارجي، وحولهم إلى أجساد لا تفارق يديها تلك الأجهزة، كما أثر على تحصيلهم الدراسي.
تفرح كثير من الأمهات بانشغال أطفالهن ولهوهم بعيدا عنهن، وسكوت الطفل مرهون في مواقف كثيرة بحصوله على الأيباد الخاص بوالدته، وإن لم يتوفر فالجوالات تغنيه عنها، مرفوض أن تكون حجة الأهالي لإسكات أطفالهم هو إعطاؤهم الأجهزة الذكية، حيث إن الطفل لا يعرف مصلحته، وشراء سكوته بإعطائه جهازا يفقده جزءا من هويته ومهاراته الاجتماعية أمر غير مقبول، وعلى الأهل إشراك أبنائهم في أنشطة اجتماعية وترفيهية وتعليمية تغنيهم عن الالتصاق بالأجهزة الذكية.
كما أن إدمان الأطفال على ألعاب الأجهزة الذكية قد يعرضهم ويصيبهم بأعراض مشابهة لأعراض التوحد، بل ويؤثر في مهاراتهم اللغوية والمجتمعية. يجب ألا يعطى الطفل جهازا ذكيا لأكثر من ساعتين يوميا، بشرط أن يكون تحت إشراف أحد البالغين لمعرفة طبيعة الألعاب التي يمارسها، حيث إن بعض الألعاب لا تناسب الأطفال وتجعلهم أكثر ميلا للعدوانية، وعند الأطفال الأكبر سنا سيعتقدون أن البطل هو من يخالف القوانين بسبب مشاهد العنف في تلك الألعاب وغيرها من الأمور السلبية. كما يجب بمراقبة ما يتصفحه أبناؤهم ومعرفة من يتواصلون معهم، خاصة في ظل كثرة البرامج والمواقع التي قد تعرض أشياء لا تناسب مجتمعنا وتقاليدنا.
وكانت دراسات سابقة قد أوضحت أن كل ساعة يقضيها الطفل في مشاهدة التلفزيون يوميا تزيد احتمالية تعرضه لمشاكل في التركيز مستقبلا بنسبة %10، والأمر ينطبق كذلك على الأجهزة الذكية، فبقاؤه عليها لمدة 3 ساعات يعني إمكانية إصابته بمشاكل التركيز التي قد تصل إلى %30. وأجرت مجموعة سوبيريور للاستشارات دراسة نشرت مؤخرا، أظهرت أن %59 من الأطفال في منطقة الشرق الأوسط لديهم نوع جديد من الرهاب يسمى نوموفوبيا، وهو شعور بالخوف من فقدان الهاتف المحمول أو السير بدونه.

الأساليب الغير سوية في تربية الطفل

تتكون الأساليب غير السوية والخاطئة في تربية الطفل إما لجهل الوالدين في تلك الطرق أو توارث الطرق السلبية في التربية كا:

  • إتباع أسلوب الآباء والأمهات والجدات في التربية كالإهمال والقسوة أو الحرمان أو التصرف بصورة معاكسة لهما”.
    الأب عندما ينحرم من الحنان في صغره تراه يغدق على طفله بهذه العاطفة وكذلك الحال بالنسبة للأم، لذلك نجد هذا النوع من الأطفال الذي تربي على هذا الأسلوب لايثق في قراراته التي يصدرها ويثق في قرارات الآخرين ويعتمد عليهم في كل شيء ويكون نسبة حساسيته للنقد مرتفعة، فالإهمال والقسوة تفقده الثقة بالنفس وكذلك الاهتمام والدلال الزائد يجعله متكلاً على الآخرين”.
  • إبقاء الطفل بالمنزل لفترات طويلة والإهمال والانشغال عن الأبناء مصحوب بترك الوالدين الطفل دون تشجيع على سلوك مرغوب فيه أو الاستجابة له وتركه دون 644b80e3a47756aee0c203a191a4f4e4محاسبته على قيامه بسلوك غير مرغوب، ولعل الذي تتناساه هنا الأم هو مدى الألم النفسي للطفل، من خلال إصابته بالحزن والخوف من الجلوس بمفرده، مما يؤدي الى ضعف شخصيته، ويخلق حالة من القلق النفسي، وشعوره بعدم الأمان وفقده للمثل الأعلى، يجعله عرضةً لاكتساب اتجاهات مختلفة ومتضاربة، مثل: أن يزرع بداخله أفكاراً مرفوضة مجتمعياً، ووجود الطفل بمفرده يجعله يقضي أوقاته لمشاهدة الوسائل الإعلامية فيتأثر بما تقدمه، وبما يراه ويسمعه، والطفل في هذه الحالة يصبح مشوشاً وليس لديه قيم ثابتة، وهو في المستقبل إما أن يصبح شخصية انطوائية، أو مضادة للمجتمع، وهذه ما نطلق عليها الشخصية (السيكوباتية)، التي ليس لديها وازع ديني أو خلقي وتكون ميتة في ضميرها”. وقد ينتهج الوالدين أو أحدهما هذا الأسلوب بسبب الانشغال الدائم عن الأبناء وإهمالهم المستمر لهم، فالأب يكون معظم وقته في العمل ويعود لينام ثم يخرج ولا يأتي إلاّ بعد أن ينام الأبناء، إضافةً إلى إنشغال الأم بأعمالها خارج البيت وبالموبايل أو على الانترنت أو التلفزيون وتهمل أبناءها، يفسر الأبناء ذلك على أنه النبذ والكراهية وهذا يعكس سلبا على نموهم الانفعالي والنفسي، مما يؤدي إلى الانحراف أو التصرف بشكل عدواني إتجاه الآخرين أو على العكس يكون الطفل المدلل إنسان انطوائي ومنعزل عن الاخرين”.
  • عامل السخرية عامل آخر يترك أثره السلبي على نفسية الأبناء، وهو: “عندما يصاحب الإهمال السخرية والتحقير كأن يقدم الطفل للأم او للاب عملاً قد أنجزه وسعد به تجد أحدهما أو كلاهما لايفهمان الطفل فيقوم بتحطيمه، وعدم تقدير جهوده. إضافةً إلى أنهما يطلبان منه عدم إزعاجها بمثل تلك الأمور التافهة أو عندما يأخذ درجة عالية في دروسه، وبسبب انشغالهما المستمر، لا يكافأ الطفل مادياً ولا معنوياً، ولا يذهبان إلى المدرسة للاستفسار عنه أو لحضور مجلس أولياء الأمور، فكيف تريدين أن يهتم الطفل بنفسه ودراسته؟
  • كما أنّ فتور العلاقة بين الآباء والأبناء قد يؤدي أيضاً إلى ظهور بعض السلوكيات السلبية مثل العنف أو التمرّد، وقد يؤثّر سلباً على مستوى التحصيل الدراسي لديهم.
  • اقتناء الهواتف الذكية تسبب في اقتطاع الوقت الذي يوفره اولياء الامور لرعاية اطفالهم. ففي دراسة أميركية، راقب الباحثون فيها اكثر من 50 عائلة اثناء تناولهم لوجبة طعام في المطعم (خارج المنزل)، لوحظ ان معظم اولياء الامور او مرافقي الاطفال كانوا أكثر انشغالا وانتباها لهواتفهم النقالة بدلا عن الاطفال.

 

نصائح من شأنها مساعدة الأباء والأمهات على تقوية الروابط بينهما وبين الأبناء

179294347_98c3956240_z

بطبيعة الحال يكون الأب والأم إذا كانت عاملة منشغلان بعض الوقت على الأبناء ، لذا فقد نصح الأطباء النفسيين الأباء التقرب إلى أطفالهم حنتى يتجنبوا تفاقم المسافات والمشاكل بينهم وبين الأبناء. هذه بعض النصائح التي تساهم بذلك:

  • أن تعي الأم أن لكل طفل من أبنائها نمط في التفكير مختلف عن الآخر لكي تتمكّن من التعامل الأمثل معهم.
  • مشاركة الاهتمامات والهوايات والتشجيع الدائم من الأمور التي تساعد على دعم العلاقة بين الأم والأبناء.
  • من الأفضل أن تقلّل الأم من أحاديثها الهاتفية وزيارات الأصدقاء كي تتمكّن من قضاء مزيد من الوقت مع أبنائها.
    الأم العاملة تقع عليها مسؤولية كبيرة في إدارة الحالة النفسية للأبناء، نظراً لضيق الوقت، لذا ينبغي عليها تنظيم الجدول اليومي وتخصيص قسط للحوار والمناقشة مع الأبناء في الأمور المختلفة.
  • التواصل مع الأبناء بصفة مستمرة والاطلاع دائماً على تصرفاتهم، وكل المتغيرات التي تطرأ عليهم، لأن حياة الطفل بطبيعتها في تجدد مستمر.
  • تخصيص أوقات كافية لقضاء العطلات الأسبوعية معهم ويفضّل عدم اصطحاب الجوالات.
  • إتاحة بعض الأنشطة المنزلية التي تجعل الأطفال يبتعدون عن استخدام الإنترنت.
  • لابد من أن يحرص الأباء على قضاء قسط كافي من الوقت مع الأبناء حتى يتمكن من زيادة الروابط بينهم وبين الأبناء.

إجراءات سلامة

على الأم أن تتأكد أن الطفل لديه ما يشغله خلال فترة خروجها، وأن ليس لديه روتين معين يتبعه، بحيث لا يشعر بالملل، وبالتالي يقلل من تصرفه بطريقة عشوائية، كما يجب أن يعرف الطفل كيف يتصل بالنجدة أو أحد الأقارب أو الأصدقاء، في حالة شعوره بالخوف أو سمع صوتاً غريباً أو شك في وجود شخص يحوم حول المنزل، ويفضل إعداد قائمة بالأسماء والهواتف الضرورية ووضعها في مكان قريب من الهاتف، إلى جانب التأكد من أنّ الطفل لن يفتح الباب لأي شخص كان، مهما ألّح هذا الشخص أو بدى لطيفاً، وأن لا يخبره بتفاصيل أو معلومات إضافية عنه أو عن أهل المنزل، بالإضافة إلى تعليم الطفل كيف يخرج من المنزل في حالة اندلاع حريق أو كيف يستعمل صندوق الاسعافات الاولية، مع التنبيه عليه بعدم استعمال أي ادوات كهربائية أو الفرن بالمطبخ، والاتصال به كل ساعة لتطمئن عليه وتتأكد من أنه منخرط في النشاطات المسموح له بها”. والأفضل مناقشة الطفل وشرح أسباب الخروج قبل تركه وحيداً.
وإذا أردنا تعديل هذه السلبيات أو معالجتها لا بد من التوجه نحو أجهزة الإعلام التي لها تأثير في التفكير، مثل: دور المساجد، والنوادي الرياضية، إلى جانب الصحافة، وتفعيل دور الحضانة وأثرها في مساعدة الأم في توفير جو تربوي مناسب لتنشئة الطفل على نحو سليم، واندماج الأطفال في المناسبات الاجتماعية وحضورهم مع الوالدين، إضافةً إلى عمل الهيئات العلمية والمؤسسات التعليمية والإعلامية بحملات توعية مستمرة للآباء والأمهات”، ولابد من التشديد أهمية المسؤولية التربوية للأسرة والأم خاصةً في مجال رعاية وتربية الأولاد وتنشئتهم بشكل سليم، بعيداً عن تدخل التلفاز والمربيات، إلى جانب المتابعة والتقويم المستمر من قبل الوالدين للبرامج التلفازية المختارة لأبنائهم، ومحاولة أخذ المنفعة الإجتماعية من التلفاز، لما يتيحه من فرص المشاهدة الجماعية، وما يبديه من أفكار وقيم لمشاهديه صغاراً وكباراً، وما يثيره من مناقشات فيما بينهم.

.

:المصدر
http://www.ajaxee.com