islamic-civilization-paintings-222-660x330

.

(شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ  مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) الشّورى (13).

التفاعُل الثقافي بين الشعوب

تختلف الشعوب في أقاليمها وفي نُظم حياتها، كما تختلف في معارفها، وطبائعها، وأخلاقها، وعاداتها، وتقاليدها، وفنونها، وآدابها، وكلِّ مظاهر حياتها الثَّقافيَّة والحضاريَّة بصورة عامَّة. وهذا الاختلاف – في أساسه – ناجِم عن عوامل بيئيَّة لا مفرَّ للإنسان منها، ومِن التَّأثُّر بها، والاستجابة لها.
إن توافر للناس- أفرادًا وجماعاتٍ وشعوبًا وأممًا وأعراقًا- إمكان الاتصال، والتعاون، والتعارف، والتعامل، وتبادل المعارف، والمهارات، فإن التفاعل الثقافي والحضاري يتحقق، وينمو، ويتوسع، ويتنوع، ويتكاثر، ويتولد بعضه من بعض، ليشمل كل وجوه العيش ماديًّا ومعنويًّا، وعقليًّا، وخُلقيًّا، وسياسيًّا، واجتماعيًّا، واقتصاديًّا، وفكريًّا، وعلميًّا، وأدبيًّا، وفنيًّا، وما إلى ذلك من مظاهر ثقافية وحضارية مختلفة. من فوائد هذا التفاعل الثقافي والحضاري بين الشعوب، أن يحاول كل شعب أنْ يأخذ من الشعوب الأخرى التي تتوافر له وسائل الاتصال بها كل ما هو في حاجة إليه أيا كان نوعه، وحجمه، ومدى فائدته. وهكذا تضحى الثقافات والحضارات مشتركة بين الشعوب، يأخذ كل شعب منها بمقدار ما تسمح له إمكاناته وقدراته البشرية.
وفي ضوء ذلك، نجد الشعوب تختلف في مستوياتها الثقافية والحضارية بمقدار ما لديها من إمكانات وقدرات ووسائل؛ فيكون بينها المتقدم والمتخلف، والقوي والضعيف، والغني والفقير، أو المتوسط في كل شيء.
ولا ريب في أن التجاور بين الشعوب والتواصل بينها، والتعامل، وتبادل المعلومات والخبرات والبعثات، والاختلاط والتنقل، والحرب والاستعمار، والتجارة وانفتاح الشعوب بعضها على بعض، وتبادل المنتجات والسلع والخدمات كلها تسهل التفاعل الثقافي وتنشطه، وتوسع آفاقه ومجالاته، وتغنيه بالعناصر الإيجابية التي ينشأ عنها تطور الشعوب وتقدمها، وزيادة إسهامها في حل المشكلات الإنسانية الكبرى سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديًّا، وغير ذلك.
وعلى هذا الأساس، نجد كثيرًا من الشؤون الثقافية في عصرنا الحديث مشتركة بين جميع شعوب العالم على السواء، سواء أكان متصلًا بالعلوم، أمْ بالآداب، أم بالفنون، أم بالفلسفات، أم بالأزياء، أم بالقيم، أم بالمهارات والخبرات الصناعية والتجارية، والإنشائية وغَيْر ذلك.
ينتج عن أي اتصال بين مجتمعين مختلفي الثقافة تغير في كلا المجتمعين؛ حيث يكون كل منهما على المحك، فيأخذ كل منهما سمات ثقافية من الآخر، وخاصة إذا كانت السمة الجديدة التي يتم نقلها أفضل من السمة التقليدية. وتسمى عملية نقل الثقافة بهذه الطريقة الانتشار. ويعد هذا الانتشار من أكثر وسائل التغير الثقافي شيوعًا. وهذا ما جعل شعوبًا كثيرة تعتنق الإسلام – على الوجه الأكمل- بوصفه ثقافة دينية وسلوكية عن طريق الدعوة، والسلوك، والفُتوحات.
يسفر الاتصال والاحتكاك المتواصل بين الثقافات عن ظاهرة تُعرف باسم التثاقف؛ أي العملية التي يتم بها أخذ أصحاب ثقافة معينة سمات ثقافة أخرى إذا كانت أفضل، حتى وإن كان أصحاب الثقافة الآخذة أقوياء ماديًّا؛ وهذا ما حدث عندما أخذ المغول التتار الثقافة العربية الإسلامية بعد أن قاموا بتدمير جزء كبير من أنحاء العالم الإسلامي.
أصبح ما يسمى بالتبادل الثقافي أكثر انتشارًا وسرعة منذ مُنتصف القرن الثالث عشر الهجري (منتصف القرن التاسع عشر الميلادي). وبسبب وسائل النقل ووسائط الاتصال، كالطائرات، والقطارات، والمذياع، والتلفاز، والهاتف، والشبكة العالمية (الإنترنت) أصبحت الثقافات في احتكاك مستمر.

إسهام المسلمين في الحضارة الإنسانية

لـمَّا حان دور المسلمين لقيادة الحضارة الإنسانية، ترجموا الكتب اليونانية واطلعوا على علوم القدماء. واستطاعوا أن يعرفوا ويضيفوا أمورًا كثيرة لـم يكن قد سبقهم إليها اليونان؛ فكان لهم فضل كبير في تقدم علوم: الطب، والرياضيات، والميكانيكا، والجغرافيا، والتاريخ. وقد اتصف بينهم بالتفكير العلمي كثير من الباحثين، أمثال: الرازي، وجابر بن حيان، وابن سينا، وابن الهيثم، والبتاني، والخوارزمي، والبيروني، وابن خلدون، وغيرهم.
وقد كشف تاريخ هذه الحضارة عن الدور الذي قام به العرب والمسلمون في تقدم العلوم وتطورها؛ فاكتسبوا بذلك مكانة لم ينكرها عليهم أحد من علماء الغرب الـمنصفين، أمثال: سارطون، وسيديو، وويلز، ونيكلسون، والبارون ديفوكارا. وقد أثر عن نيكسلون قوله: «إن المكتشفاتِ العلمية الَّتي نحن مدينون بها للرواد العرب، أكثر من أن تُحصى؛ فلقد كانوا مشعلًا وضَّاءً في القرون الوسطى للظلمة، ليس في أوروبا وحدها، بل في العالم أجمع».
ويقول البارون كاراديفو: «إنَّ الميراث العلمي الذي تركه اليونان، لم يحسِن الرومان القيام به. أما العرب المسلمون فقد أتقنوه، وعملوا على تـحسينه وإنمائه حتى سلموه إلى العصور الحديثة». ويذهب سيديو إلى أن العرب والمسلمين هم في واقع الأمر أساتذة أوروبا في جميع فروع المعرفة.
ومن يتتبع إنجازات الحضارة الإسلامية في مجال العلوم الطبيعية، سيجد أنهم أول من استخدم المنهج العلمي التجريبي الذي اتخذوه أساسا للبحث والتفكير العلمي؛ فكان هذا المنهج أعظم هدية قدمتها الحضارة الإسلامية لتاريخ البشرية كلها، بل إنهم كانوا أسبق من الغربيين الـمحدثين إلى نقد منطق أرسطو العقيم (غير المفيد)، واستطاعوا أن يمـيزوا بين طبيعة الظواهر العقلية الخالصة من جهة، والظواهر الـمادية الـحسية من جهة أخرى. وعلموا أن الوسيلة أو الأداة التي تستخدم في هذه الظواهر، يجب أن تختلف حسب طبيعة كل منها.
لـم يمنع تحامل (ظلم) بعض المؤرخين الغربيين وتجاهلهم إنجازات الحضارة الإسلامية، من وجود باحثين غربيين آخرين منصفين، أعلنوا في أمانة علمية أنهم كانوا كلما أَوغلوا في دراسة التراث العلمي لهذه الحضارة، ازدادوا إعجابا بها وتقديرًا لها. فمنهم من يقرِّر بأن جابر بن حيان له في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق، أو أن البتاني من العشرين فلكيا المشهورين في العالم كله، وأن أبا الريحان البيروني أعظم عقلية في التاريخ، وأن أبا بكر الرازي هو جالينوس العرب. ويقول سيديو عنهم : «إن أفكارهم القيمة وابتكاراتهم النفيسة تشهد بأنهم أساتذة أهل أوروبا في جميع فروع المعرفة»، ويقول كاربنسكى : «إن العلوم الحديثة قد دلت على عِظم دَيْنِنا للعلماء المسلمين الذين نشروا نور العلم حينما كانت أوروبا غارقة في ظلمات القرون الوسطى، وأن العرب لَمْ يقتصروا على نقل علوم الإغريق فحسب، بل زادوا عليها، وقاموا بإضافات هامة فيها». وفي سقف مكتبة الكونجرس الأمريكي توجد عبارة منقوشة بماء الذهب كُتِبَ فيها : «الينبوع الأول للحضارات جميعًا إنما هو مصر الفرعونية، وأما الينبوع الأول للحضارة في العلوم الطبيعية، إنَّما هو العصر العربي الإسلامي».
وتكمن أهمية علوم الحضارة الإسلامية في تمـيزها عن العلوم القديمة بأنها عالمية وليست محلية؛ لأنها نشأت في موطن يُعد مركزًا للاتصال بين أفكار العالم المتباعدة، وانتشرت في دولة كبرى امتدت من حدود الصين شرقا إلى حدود فرنسا غربا في أقل من قرن من الزمان، وذلك بفضل الإسلام الحنيف: دينًا وعقيدة وقيمًا وخلقًا.

.

.

.

.

المصدر:

10-500x544

.

.

إصدارات مناهج العالمية – تعلّم العربية – الصف العاشر/ الفصل الدراسي الأول http://goo.gl/D3UugS