maxresdefault

.

صُهَيْب بْنُ سِنانٍ الرُّوميّ

في ذاتِ يومٍ عادَ صُهَيْبٌ إلى مكَّة مِنْ إحدى رحلاته، فقيل له إنَّ مُحَمَّدَ بنَ عبد الله -صلى الله عليه وسلم-  قد بُعِثَ، وقام يدعو النَّاسَ إلى الإيمان بالله وحده، ويأمرهم بالعدل والإحسان، وينهاهم عن الفحشاء والمُنكر.
فقال: أليسَ هو الَّذي يُلقِّبونه بالأمين؟! فقيل له: بلى، وهو الآنَ في دارِ الأرقم عِنْدَ الصَّفا. ذهبَ صُهَيْبٌ لمقابلة محمَّد -صلى الله عليه وسلم-، وعند باب الأرقم، وجد عمَّار بْنَ ياسرٍ قد جاء للهدفِ نفسه.
دخلَ صُهَيْبُ بْنُ سِنانٍ الروميُّ، وعمارُ بن ياسرٍ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واستمعا إلى ما يقولُ، فأَشْرَقَ نورُ الإيمان في صدرَيْهما، وتسابقا في مَدِّ يَدَيْهِما إليه، وشَهدا أنَّ لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله.
وقد قيل في وَصْفِ صُهَيْبٍ أنَّه كانَ أحمر؛ شديد الحُمْرَة، ليس بالطَّويل، كثير الشَّعر. وكانَ – مع فضله – ودينه فيه دُعابةٌ وفُكاهة وانْشِراح.
وعِنْدَما أخذَ الإسلامُ يعلو ويرتفعُ، قرَّر المشركون محاربة المسلمين، وتعذيبَ المستضعفين. وكانَ صُهَيبْ من أولئك المستضعفين، فتحمَّلَ نصيبه مِنْ أذى قريش مع عشرات من المؤمنين، ولم يزدْه ذلك إلاَّ إيمانًا وتسليمًا. روى مُجاهِدُ بنُ جُبَيْرٍ قال : «وأُخِذَ الآخرون – سَمَّى منهم صُهَيْبًا – فألْبَسوهم أدراع الحديد، وصهروهم (حَرَّقوهم) في الشَّمس حَتَّى بلغ الجهدُ منهم كلَّ مبلغ ؛ فكانَ صُهَيْبٌ –  – يصبِر على ذلك أعظمَ الصَّبر حَتَّى فرَّج الله عَنْه».
وعِنْدَما خرجَ الرَّسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – مُهاجرًا إلى المدينة، كانَ صهيب قد هَمَّ (فكَّر) بالخروجِ معه، فصدَّه (مَنَعَه) فِتيانٌ مِنْ قريشٍ، فجعل في ذلك اليوم يقومُ ولا يَقْعد؛ أيْ يذهبُ للخلاءِ لقضاء الحاجة، فقالوا : قد شغله الله عنكم ببطنه ـ ولَمْ يكن شاكيًا ـ فناموا، وعندها خرج صُهَيْبٌ خائفًا، وسار على حذر متوجِّهًا إلى المدينة، وما كاد يَبْتعد قليلًا حَتَّى انتَبَهوا له، وقالوا له : أتَيْتنا صُعْلوكًا (فقيرًا) حقيرًا، فتغيَّرَ حالُك! قال : أرأيْتُم (ما رأيكم) إنْ تركتُ لكم مالي، أمُخلون أنتم سبيلي؟ قالوا : نعم. فخلَّى (ترك) لهم ماله.
فلمَّا بلغَ قُباءَ رآه الرَّسـولُ -صلى الله عليه وسلم- مُقْبلًا، فهشَّ له وبشَّ، وقــال : «رَبِحَ البيعُ يَا أبا يحيى ربحَ البيع»، وكَرَّرها ثلاثًا. فعلتْ الفرحــةُ وَجَهَ صُهَيْبٍ، وقــال : والله مَا سَبَقني إليك أحدٌ يَا رسـول الله. وما أَخبرك به إلَّا جِبْريـل». حقًّا لقـد رَبِحَ البيعُ … وصدَّق ذلك وحْيُ السَّماء … وشَهِدَ عليه جبـريلٌ حَيْثُ نزلَ في صُهَيْبٍ قـولُ الله – عزّ وجل – {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}  البقرة (207).
وفي شهر شوال من السَّنة الثَّامنة والثَّلاثين من الهِجْرة النَّبويَّة، مَرِضَ صُهَيْبٌ -رضي الله عنه- ثُمَّ تُوفِّي بالمدينة ودُفِن فيها.

.

سَلْمَانُ الفارسِيُّ

سلمان الفارسيُّ -رضي الله عنه- صحابيٌّ أنصاريٌّ من سكّان المدينة، أصله من بلاد فارس من أَصْبهان. تركَ بلده بحثًا عن الدِّين الحقِّ في بلاد الشَّامِ والموصل ونصِّيبين، وأخيرًا استقرَّ به المُقامُ عند أحد الرُّهْبان النَّصارى في عمّوريَّة. وطَلب منه سلمانُ – قبل أنْ يموتَ –  أنْ يرْشِدَه إلى شخصٍ يطمئنُّ إلى إيمانه وعقيدته، فأرْشَدَه هذا الرَّاهبُ إلى أنَّه قد حان الوقتُ الَّذي يَخرجُ فيه نبيُّ آخر الزَّمان من بلاد العرب. ووصَفَ له علاماتٍ يُعرفُ بها؛ فهو يأكلُ مِن الهديَّة، ولا يأكلُ من الصَّدقة، وبين كتِفَيْه خاتَمُ النُبوَّة. طَلَبَ سلمان من بعض الأعراب أن يأخذوه معهم إلى جزيرة العرب، فأخذوه، ولكنَّهم باعوه هُناكَ على أنه عبدٌ. ثُمَّ انتقل من سيِّد إلى سيِّد إلى أن استقرَّ به المُقامُ في المدينة. ولـمَّا هاجَرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة جاء إليه وقابله. وَنَدَعُ سلمانَ يحكي لنا قِصَّة هذه المقابلة حَيْثُ يقول:
«لـمَّا أمسيْتُ وكانَ عندي شَيْءٌ من طعامٍ، فحملْتُه وذهبتُ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو بقُباء، فقلتُ له : بَلَغني أنَّك رجلٌ صالح، وأنَّ معك أصحابًا لكَ غُرباء، وقد كانَ عندي شيءٌ مِنَ الصَّدقة فرأيتكم أحقَّ مَنْ بهذه البلاد، فهاك هذا فكُلْ منه. قال : فأَمْسَك (لَمْ يأكلْ)، وقال لأصحابه : كلوا. فقلتُ في نفسي: هذه علامةٌ مِـمَّا وَصَفَ لي صاحبي الرَّاهب.
ثُمَّ رجعتُ، وتحوَّلَ (انتقل) رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، فجمعتُ شيئًا مِن الطَّعام كانَ عندي، ثُمَّ جئته به، فقلتُ : إنِّي قد رأيتُكَ لا تأكلُ مِنَ الصَّدقة، وهذه هديَّةٌ. فأكلَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأكلَ أصحابه، فقلتُ: هاتان علامتان.
ثُمَّ جئتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يتبعُ جنازةً وهو في أصحابه، فاستدَرْتُ أَنْظُرُ إلى ظَهْره هَلْ أرى الخاتَمَ الَّذي وُصِفَ لي. فلما رآني اسْتَدْبَرْتُه (جئتُ مِنْ خَلْفِه)، عَرَف أني أسْتَثْبِتُ مِنْ شيءٍ وُصِفَ لي، فألقى رداءَه عن ظهره، فنظرتُ إلى الخاتَمِ فعرفْتُه، فانكَبَبْتُ عليه أُقبِّلُهُ وأبكي. فقال لي : «تَحوَّل» فتَحوَّلْتُ، فقَصَصْتُ عليه حديثي، فأعْجِب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأحبَّ أنْ يسمعَ ذلك أصحابُه فقصَصْتُ عليهم قِصَّتي، ثُمَّ أسْلَمْتُ.
ثُمَّ شَغَل سلمانَ الرِّقُّ حَتَّى فاته مع رسول الله – – بدرٌ وأُحُدٌ. ثُمَّ قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: «كاتبْ يَا سلمان». أيْ اتَّفق مع سيِّدك على مالٍ؛ ليعطيكَ حُرِّيَّتَكَ. فكاتَبْتُ سيِّدي على ثلاثمائة نَخلةٍ وبأربعين أوقيَّة (مِن الذَّهب). فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه : «أعينوا أخاكم». فأعانوني (ساعدوني) بالنَّخيل : الرَّجل بثلاثين، والرَّجل بعشرين، والرَّجل بخمس عشرة، حَتَّى اجتمعت ثلاثمائة فسيلة نخلةٍ. فقال : «اذهبْ يَا سلمان فاحْفِرْ حُفَرًا لها، فإذا فرَغْتَ فائتني أكونُ أنَا الَّذي أضعها بيديَّ»، فحَفَرْتُ لها وأعانني أصحابي، حَتَّى إذا فرَغْتُ (انتهيتُ) مِنها جئتُه وأخبرتُه، فخرج معي إليها نُقرِّبُ له الفسائل، ويضعُها بيده. فوالذي نفسُ سلمان بيده (والله) مَا ماتَتْ منها فسيلةٌ واحدةٌ. فأدَّيْتُ النَّخْل، وبقي عليَّ المال، فأُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم — بمثل بيضة دجاجة مِنْ ذهب من بعض غزواته. فقال : «مَا فَعَلَ الفارسيّ المُكاتَبُ؟»، فدُعيتُ له، فقال : «خُذْها فأدِّ بها مَا عليك». قلتُ: وأين تقعُ هذه يَا رسول الله مـمَّا عليَّ؟ قال : «خذها فإنَّ الله سيؤدّي بها عنك». فأخذْتُها فوزَنْتُ له منها أربعين أوقيةً، وأوفيتُه (أعطيتُه) حقَّه وعُتِقْتُ (صِرْتُ حرًّا)، فشهدْتُ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الخنْدَق حرًّا، ثُمَّ لم يَفُتْني معه مشهد.
عاش سلمانُ -رضي الله عنه- مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مُنْذُ التقى به وآمنَ معه مُسلمًا حرًّا، ومجاهدًا عابدًا. وعاش مع أبي بكرٍ، ثُمَّ عمر، ثُمَّ عثمان حَتَّى لقي ربَّه أثناء خلافته – ويُرسِل عمر – في أثناء خلافته إلى سلمان؛ ليتولَّى إمارة المدائن، ويرفض سلمان ويتشدَّد في رفْضه، ويتمسَّك عمر ويصرُّ على طلبه، فيمْتَثِل (يُطيع) لطلب أمير المؤمنين، فيذهب لمكان الولاية، تَحْمله دابَّته إلى هُناكَ وحيدًا بلا رفيق، وفريدًا بلا صديق.
وكانَ يَخْرج كلَّ يوم في إمارته يَخْتلط بالنَّاس، ويتعرَّف على مطالبِهم، وعليه ثيابٌ غيَّر الزَّمنُ معالمها. وفي أحد الأيام لقِيهُ رجل في الطَّريق قادمٌ من الشَّام ومعه حِمْلٌ ثقيل. وكانَ الحِمْلُ يُتْعِبُ الشَّاميَّ، فلمْ يكَدْ يُبْصِرُ أمامه رجلًا يبدو عليه أنَّه مِنْ عامَّة النَّاس وفقرائهم حَتَّى بدا له أن يضعَ الحِمْلَ عن كاهِله؛ ليَحْمِله هذا الرَّجل ثُمَّ يُعطيه شيئًا نَظير (مقابلَ) حَمْله.
فأشار للرَّجل فأقْبَلَ عليه، وقال له الشَّاميُّ: احْملْ هذا عنِّي، فَحَمله ومَضَيا معًا. وإذا هما في الطَّريق بلغا جماعةً من النَّاس، فسلَّم عليهم، فأجابوا واقفين : وعلى الأمير السَّلام ..؟! أيَّ أمير يَعْنون ..؟! هكذا سأل الشَّاميُّ نفسَه.. ولقد زادَتْ دَهْشته حين رأى بعض هؤلاء يُسارعُ نحو سلمان؛ ليَحْمِلَ عنه قائلين : عَنْكَ أيُّهَا الأمير ..! فعَلِمَ الشَّاميّ أنَّه أمير المدائن (سلمان الفارسيّ)، فسُقِطَ في يده، وهربتْ كلماتُ الاعتذار والأسَفِ مِنْ بَيْن شفَتَيْه، واقتربَ؛ ليأخذَ منه الحِمْلَ، ولكنَّ سلمان هزَّ رأسه رافضًا وهو يقولُ: لا، حَتَّى أُبَلِّغكَ منزلك. وتُوفي — رضي الله عنه-  بالمدائنِ سنة ثلاث وثلاثين للهجرة، وكانَ ذلك في خلافة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-.

.

إلى بَيْتِ أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ

لقد رَفع الله في الخافقَيْن (الشَّرقِ والغربِ) ذكْرَ أبي أيُّوب، وأعلى في الأنام قدرَه، حين اختار بيتَه مِنْ دون بيوت المسلمين لينزلَ فيه النَّبيُّ الكريم -صلى الله عليه وسلم- لـمَّا حلَّ في المدينة مُهاجرًا، ولذلك قصَّةٌ يحلو تَرْدادُها ويلَذُّ تكرارُها. وذلك أنَّ النَّـبيَّ – – حين بلغَ المدينة تَلقَّته أفئِدَة أهلها بأكرم ما يُتلقَّى به وافدٌ، وتَطلَّعت إليه عيونُهم تَبُثُّه شوْقَ الحبيب إلى حبيبه، وفتحوا له قلوبهم؛ ليحلَّ منها في السُّويداء، وأشْرَعوا له أبواب بيوتهم؛ لينزل فيهم أعزَّ منزل. وكانَ قد دخل – عليه أفضلُ الصَّلاة وأتمُّ التَّسليم – مِن قُباء راكبًا ناقته، فوقف ساداتُ يَثْرِبَ في طريقها، كلٌّ يريد أنْ يَظْفَر بشرف نزول الرسول – – في بيته. وكانَ الرَّسول – – يقولُ لهم: «دعوها فإنَّها مأْمورةٌ». وتَظَلُّ الناقَةُ تَمْضي إلى غايتها تُتابِعُها العيونُ، وتَحُفُّ بها القلوب، والرَّسول – – مُرْخٍ لها زمامها، حَتَّى بلغتْ ساحةً خلاء أمام بيت أبي أيُّوب الأنصاريِّ. عند ذلك غَمَرتْ الفَرْحةُ فؤادَ أبي أيُّوب، وبادَر إلى رسول الله – – يُرحِّب به، وحَمل متاعه بَيْنَ يديه وكأنَّما يَحملُ كنوز الدُّنيا كلَّها، ومضى به إلى بَيْتِه.

.

عَبْدُ الله بن حُذافة بَيْنَ   يدي كِسْرى

انْتَدب – عليه الصَّلاة والسَّلام – سِتَّة مِن أصحابه؛ ليَحْمِلوا كُتبه إلى ملوك العرب والعَجَم، وكانَ أحدَ السِّتَّة عبد الله بن حذافة السَّهميّ، فقد اختير لحملِ رسالة النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إلى كِسرى ملك الفُرْس. فكانَ أن جَهَّزَ راحِلته ووَدَّع صاحبته وولده، ومضى إلى غايته ترفعُه النِّجادُ وتحطُّه الوهادُ، وحيدًا فريدًا ليس معه إلَّا الله، حَتَّى بَلَغ ديار فارس، فاسْتَأذَن بالدُّخول على مَلِكَها، وأخْطَر الحاشِية بالرِّسالة الَّتي يَحْمِلها له. فلمَّا أخْبَروا كِسرى بذلك أَمَرَ بإيوانِه فَزُيِّن، ودعا عظماءَ فارِسَ لحضور مجلسه فحضروا، ثُمَّ أَذِنَ لعبد الله بن حذافَة بالدُّخول عليه. فدخلَ عبد الله بن حذافَة مُشْتَملًا شَمْلته الرَّقيقة، مُرْتديًا عباءته الصَّفيقَة، عليه بَساطة الأعراب. ولكنَّه كانَ عاليَ الهامة مَشْدود القامَة، تتأجَّجُ بَيْنَ جَوانحه عزَّةُ الإسلام، وتتوقَّدُ في فؤاده كِبْرياءُ الإيمان. فلمَّا رآه كِسرى مُقْبلًا أوْمَأ إلى أحد رجاله بأنْ يأخذَ الكتاب مِنْ يده فقال : « لا، إنَّما أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ أدفعَه لك يدًا بيدٍ، وأنا لا أخالفُ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرًا. » فقال كِسرى لرجاله: اتركوه يَدنو مِنِّي، فَدَنا مِنْ كِسرى حَتَّى ناوَله الكتاب بِيَدِه.

.

.

.

.

.

..

.

المصدر:

.

.

إصدارات مناهج العالمية – تعلّم العربية – الصف الحادي عشر/ الفصل الدراسي الثاني https://goo.gl/X5iTvk