death-pathway-008-810x616

تكلم الفقهاء عن الموت والحياة في أبواب عدة من كتب الفقه: في الجنائز، وفي الميراث، وفي الجنايات، وفي الجهاد «الاستشهاد»، وغير ذلك من الأبواب التي تتعلق بهذا الإنسان المـيت.

تكلم الفقهاء في تحديد الحياة والموت، وفي بدء حياة الإنسان؛ لهذا احتاجوا أن يعرفوا الحياة والموت بعلامات الحياة التي تظهر على جسدِ الإنسان في: حركاته، وسكناته، وصوته، إلى غير ذلك. قال تعالى في موت سليمان {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} سبأ (14). وتحدث علماء المسلمين قديما عن علامات للحياة والموت، ليس من بينها موت جذع الدماغ كما هو حادث اليوم. ومن تلك العلامات التنفس والحركة.

أولا التنفس: يقول الحنفية والشافعية والحنابلة: إن التنفس مثل الحركة في إثبات الحياة؛ لأن التنفس حياة وحركة ذاتية (تلقائية) يتحرك فيها الصدر، وينبض بها القلب تلقائيا في الجسد، فكان ذلك علامة على حياة صاحب الجسد.

ثانيًا الحركة: اتفقت المذاهب الإسلامية على أن الحركة في الجسد من علامات الحياة، وأن الجسد هو الذي يعتمد عليه في معرفة الحياة والموت؛ حيث إن الحركة تكون فيه ومنه. كما اعتبر العلماء أقل حركة دليلا على الحياة، ويقولون إنه لا حركة تدل على الحياة أكثر من حركة القلب، ونبض الدم في العروق، والتنفس وحركة الصدر، وعمل بقية الأعضاء مثل: الكبد، والكلية، والأمعاء، وغير ذلك. ولـم يجعل الفقهاء المخ أو الإحساس فقط مصدر الحياة.

وتكلم الفقهاء عن نهاية الحياة في الإنسان، وما يجب أنْ يتبعها مِنْ أعمال خاصة بتجهيزه ودفنه؛ لأن الموت دائما يعقبه دفن المـيت مباشرة، مصداقا لقوله تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} عبس (21)، وما يلزم ذلك المقبور من  تغسيل، وتكفين، وصلاة، وغير ذلك، فقالوا: إذا تيقَّن (تأكد) الحاضرون من موت المـيت، فإنهم يدفنونه. وعلامة ذلك: انقطاع نفسه، وانفراج (فتح) شفتيه، وأضاف بعضهم أوصافا أخرى، مثل: «انخساف صدغيه (أي؛ غارا أو دخلا إلى الداخل)، أو ميل أنفه، واسترخاء أعصابه ورجليه، وامتداد جلد وجهه».

بعد هذا البيان في علامات الموت عند الفقهاء، نرى أنهم حرصوا على أنه لا يحكم بالموت إلا بعد فقد الجسم للحياة فقدانا كاملا، واشترطوا اليقين (التأكد) في ذلك، والتأكد الذي ليس فيه شك؛ فإذا كان هناك أدنى شك، ترك الجسد حتى تتغير رائحته، حتى لا يكون هناك أي شك في الموت، هذا هو ما عليه إجماع الفقهاء.

أفتى العلماء بجواز نقل الأعضاء من حيوان إلى إنسان؛ ولا شيء في ذلك. ومن إنسان إلى إنسان بشروط؛ فإن كانَ من إنسان حي فإنه يُشترط لذلك شروط:

  • أن يكون المتبرع بالعضو المنقول عاقلا بالغا راشدا؛ يستطيع الحكم على الأشياء، ويكون أدرى بمصلحته.
  • ألا تتعرض حياة المتبرع للخطر المحقق (الأكيد).
  • أن تكون هناك ضرورة لذلك؛ كأنْ يكون هناك إنسان يحتاج إلى ذلك العضو للإبقاء على حياته.
  • أن يكون البديل غير موجود، أو لا يؤدي إلى الغاية المطلوبة.

أمّا نقل الأعضاء من المـيت لإحياء نفس معرَّضة للهلاك، فهذا لا بأس به لقول الله  تبارك وتعالى: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} المائدة (32) ولأنَّ هذا دخل في إغاثة الملهوف (مساعدة المحتاج)، وهي واجبة لإنقاذ نفس كادت تموت؛ ولأن هذا ليس فيه انتهاك لحرمة الميت؛ لأن المصلحة تكون في إنقاذ إنسان يكاد يموت.

الموت عند الأطباء

بالتقدم الذي طرأ في مجال الطب خلال العقود الماضية، نجد أنه قد تغير لدى كثير من الناس مفهوم تعريف الموت. وقد اختُرع من الأجهزة ما يقوم بعمليتي التنفس وضخ الدم. ولم يعد يعلن وفاة الشخص عند توقُّف نبض القلب، أو عندما يكون في الرمق الأخير، كما كان يحدث في الماضي، بل أمكن إيقاف القلب لعدة ساعات أثناء عمليَّات القلب المفتوح، وأنْ تُستبدل بالقلب والرئتين في هذه المرحلة مضخة.

ولم يعد مفهوم الموت مرتبطا بالقلب في كثير من الحالات، وخاصة الحالات التي يصاب فيها الدماغ إصابات بالغة نتيجة الحوادث على سبيل المثال.

موت الدماغ: يموت الدماغ إذا انقطع عنه الدم لمدة أربع دقائق، وكذلك فإن موت القلب يتبعه موت الدماغ؛ ولهذا فإن لم يتمكن الأطباء من إنقاذ القلب وإعادته للعمل، فإن الدماغ يموت خلال أربع دقائق من توقف عمل القلب، وبالتالي يعتبر مثل ذلك الشخص في عداد الموتى.

هناك مشكلة تحدث عندما يصاب الدماغ إصابات بالغة نتيجة الحوادث (سيارات، ارتطام، إطلاق نار …إلخ) أو نتيجة نزف في الدماغ، أو ورم فيه. وفي هذه الحالات، قدْ يموت الدماغ وتقوم الأجهزة الحديثة بإنعاش القلب والتنفس وجعلهما يستمران في وظيفتيهما. من أجل ذلك لا يمانع الأطباء من استمرار عمل هذه الأجهزة حتى بعد وفاة الشخص؛ إذا ما أريد الاستفادة من أعضائه. لكننا نجد أن رجال القانون يترددون في قبول وفاة الشخص، ولا يوافقون الأطباء في مفهوم الموت.

بما أن جذع الدماغ هو المتحكم في جهازي التنفس والقلب والدورة الدموية، فإن توقف جذع الدماغ وموته يؤدي- بإذن الله تعالى- إلى توقف القلب والدورة الدموية والتنفس، ولو بعد حين. وعند ثبوت تشخيص موت جذع الدماغ، وعدم وجود أي من الأسباب المؤقتة لتوقُّف وظائف الجذع، يكتب الأطباء المختصون شهادة بوفاة ذلك الشخص.

أما فيما يختص بأجهزة الإنعاش، فإنها توقف إلا إذا كان المصاب أو ذووه (أقرباؤه) قد وافقوا على التبرع بأعضائه. وفي هذه الحالة تستمر أجهزة الإنعاش؛ حتى تواصل الدورة الدموية عملها، وبالتالي تكون الأعضاء التي ستؤخذ من الشخص المتوفى في أفضل حالاتها.

.

.

.

.

المصدر:

10-500x544

.

.

إصدارات مناهج العالمية – تعلّم العربية – الصف العاشر/ الفصل الدراسي الأول http://goo.gl/D3UugS