maxresdefault

.

القصص القرآني

الحادثة المرتبطة بالأسباب والنتائج يهفو إليها السامع، فإذا تخللتها مواطن العبرة في أخبار الماضين، كان حب الاستطلاع لمعرفتها من أقوى العوامل على رسوخ عبرتها في النفس. والموعظة الخطابية تسرد سردًا فلا يجمع العقل أطرافها، ولا يعي جميع ما يلقى فيها، ولكنها حين تأخذ صورة من واقع الحياة في أحداثها تتضح أهدافها، ويرتاح المرء إلى سماعها، ويصغي إليها بشوق ولهفة، ويتأثر بما فيها من عبر وعظات. وقد أصبح أدب القصة اليوم فنا خاصا من فنون اللغة وآدابها. والقصص الصادق في القرآن الكريم يمثل هذا الأسلوب العربي أقوى تمثيل، ويصوره في أبلغ صورة.

اشتمل القرآن على كثير من وقائع الماضي، وتاريخ الأمم وذكر البلاد والديار. وتتبَّعَ آثار كل قوم وحكى عنهم صورة ناطقة لما كانوا عليه. ومن ذلك ما تضمن من دعوة الأنبياء لأقوامهم، والمعجزات التي أيَّدهم الله بها، وموقف المعاندين لهم، ومراحل الدعوة وتطورها، وعاقبة المؤمنين والمكذبين، مثل : قصص نوح، وإبراهيم، وموسى، وهارون، وعيسى، ومحمد، عليهم جميعًا أفضل الصلاة والسلام. ومن القصص القرآني ما يتعلق بحوادث غابرة (قديمة) وأشخاص لم تثبت نبوَّتهم؛ كقصَّة الَّذين أُخرجوا من ديارهم وهم أُلوف حَذَر الموت، وطالوت وجالوت، وابني آدم، وأهل الكهف، وذي القرنين وقارون، وأصحاب السَّبت، ومريم، وأصحاب الأخدود، وأصحاب الفيل، ونحوهم. ومن قصص القرآن ما يتعلق بالحوادث التي وقعت في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كغزوتي بدر وأحد في سورة آل عمران، وغزوتي حنين وتبوك في سورة التوبة، وغزوة الأحزاب في سورة الأحزاب، والهجرة، والإسراء، ونحو ذلك.

ومن الملحوظ أن القرآن يشتمل على كثير من القصص الذي تكرر في غير موضع؛ فالقصة الواحدة يتعدد ذكرها في القرآن، وتعرض في صور مختلفة من التقديم والتأخير، والإيجاز والإطناب، ومن حكمة ذلك :

أولا: بيان بلاغة القرآن في أعلى مراتبها؛ فمن خصائص البلاغة، إبراز المعنى الواحد في صور مختلفة، والقصة المتكررة ترد في كل موضع بأسلوب يتمايز عن الآخر، وتصاغ في قالب غير القالب، ولا يمل الإنسان من تكرارها، بل تتجدد في نفسه معان لا تحصل له بقراءتها في المواضع الأخرى.

ثانيا: قوة الإعجاز؛ فإيراد المعنى الواحد في صور متعددة مع عجز العرب عن الإتيان بصورة منها أبلغ في التحدي.

ثالثا: الاهتمام بشأن القصة لتمكين عبرها في النفس، والتكرار من طرق التأكيد وأمارات الاهتمام.

رابعا: اختلاف الغاية التي تساق من أجلها القصة؛ فتذكر بعض معانيها الوافية بالغرض في مقام، وتبرز معان أخرى في سائر المقامات حسب اختلاف مقتضيات الأحوال؛ وقصة موسى -عليه السلام- أكثر القصص تكرارا في القرآن.

والقصة في القرآن حقيقة لا خيال، وليست خاضعة لما يخضع له الفن من ابتكار من غير التزام لصدق التاريخ.

والقرآن كلام الله المنـزَّه عن ذلك التصوير الفني الذي لا يُعنى فيه بالواقع. وما قصص القرآن إلا الحقائق التاريخية تُصاغ في صور بديعة من الألفاظ المنتقاة، والأساليب الرائعة.

وللقصص القرآني أثر في التربية والتهذيب؛ فمما لا شك فيه أن القصة المحكمة الدقيقة تطرق المسامع بتأثير بالغ، وتنفذ إلى النفس البشرية بسهولة ويسر، وتسترسل مع سياقها المشاعر فلا تمل ولا تكل، ويرتاد العقل عناصرها فيجني من حقولها الأزاهير والثمار. والدروس الإلقائية تورث الملل، ولا تستطيع الناشئة أن تتابعها، وتستوعب عناصرها إلا بصعوبة وشدة، ولا يبقى أثرها إلَّا أمدًا قصيرًا؛ ولذا كان الأسلوب القصصي أجدى نفعًا وأكثر فائدة. والمعهود أن الإنسان من حياة الطفولة يميل إلى سماع الحكاية ويصغي إلى رواية القصة، وتعي ذاكرته ما يروى له فيحاكيه ويقصه. وفي القصص القرآني تربة خصبة تساعد المربين على النجاح في مهمتهم مستفيدين من ظاهرة الميل الفطري للأسلوب القصصي، وذلك بما في هذا القصص من سيرة النبيين وأخبار الماضين، وسنة الله في حياة المجتمعات، وأحوال الأمم، ولا يقول القصص القرآني في ذلك إلا حقاً وصدقًا.

 .

.

.

.

المصادر:

12-500x544

.

.

إصدارات مناهج العالمية – تعلّم العربية – الصف الثاني عشر/ الفصل الدراسي الأول http://goo.gl/A4GfiC