Image10

نذرت زوجة عمران، حين ظهر حملها، أن يكون ما في بطنها مسخرا لخدمة بيت الله، وكان ظنُّها أن الذي في بطنها ذكر، فلما وضعتها قالت مُعتذرة إلى الله:

{إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ} (آل عمران:36)؛ لأن الذكر له القدرة والقوة على ما يراد منه من القيام بخدمة بيت الله. وسمت المولودة مريم. {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (آل عمران: 36).

حصَّنت الأم واستعاذت لها ولذُريتها بالله من عدوها، وكان هذا أول حفظ وحماية لها؛ ولهذا استجاب الله لها {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ} (آل عمران:37)، فجعل لمريم من القبول أعظم مما للذكورِ، وجمع لها بين التربية الجسدية، والتربية الروحية؛ حيث قدَّر الله أن يكون كافِلها زكريا أعظم أنبياء بني إسرائيل في ذلك الوقت، فكفلها أحسن كفالة، وأعانهُ اللهُ على كفالتها بكرامة عظيمة منه، فنشأت نشأة الصالحات الصِّدِّيقات، وعكفت على عبادة ربها، ولزمت مِحرابها.

كان زكريا -عليه السلام- كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا، فقال لها: { أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ} (آل عمران:37)؛ لأنه ليس لها كافل غير زكريا.

{قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (آل عمران:37). فرزق الله يأتي بطرقٍ مختلفة، والله على كل شيء قدير. انتبذت مريم من أهلها مكانا، مُتَجرِّدة لعبادة ربها.

{فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا} (مريم:17) حتى لا يشغلها أحد عن عبادتها، فأرسل الله لها جبريل في صورة بشر من أكمل الرجال وأجملهم، فظنت أنّه يريد بها سُوءًا، فقالت: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} (مريم:18)، فتوسلت بالله في حفظِها وحمايتها، وذكرته وجوب التقوى على كل مسلم يخشى الله، فرفع الله مقامها، ونعتها بالعفة الكاملة، وأنها أحصنت فرجها فقال لها جبريل: {إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} (مريم: 19).

عجبت مريم مما سمعت فـ{قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا} (مريم:21-20)

فلا تعجبي مما قدره الله وقضاه من رحمة به وبك وبالناس. {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا} (مريم:22) لقد ابتعدت بحملها عن الناس خشية الاتهام والأذية منهم. {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا} (مريم: 23) لِما تعرِفُه مما هي متعرضة له من كلام الناس وأنهم لن يصدقوها، ولا تدري ما الله صانع لها.

{فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} (مريم:24- 26)، فاطمأن قلبها، وزال عنها ما كانت فيه من الخوف. ولَمَّا تعافت من نِفاسِها، وأصلحت شأنها وقويت بعد الولادة،{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ} (مريم:27) غير هائبة ولا مبالية، فلما رآها قومها، وهم يعلمون أنها بلا زوج، جزموا أنه من وجه آخر، فقالوا: {يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ} (مريم:27-29) كما أمرت بذلك، فقالوا منكرين عليها مقالتها{قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} (مريم:29) فقال عيسى -عليه السلام- ولم يمض على ولادته أيام يسيرة: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} (مريم: 30-33)، فكان هذا الكلام من عيسى -عليه السلام- من آيات الله على رسالته، وأنه عبدالله، لا كما يزعم النصارى، وأن أمه الطاهرة بريئة مما يُظن بها من السوء، وهذا الكلام من عيسى -عليه السلام- وهو في المهد أزال كل ريب يمكن أن يقع في القلوب.

.

.

.

.

المصادر:

.

.

إصدارات مناهج العالمية – تعلّم العربية – الصف الثامن/ الفصل الدراسي الأول https://goo.gl/ruQ9oU