hamrraa

حضارتنا حلقة من سلسلة الحضارات الإنسانية. وسنتعرف في الموضوع الذي بين أيدينا إلى روائع الحضارة الإسلامية، ودورها في تاريخ التقدم الإنساني، ومدى ما قدمته في ميدان العقيدة، والعلم، والخلق، والحكم، والفن، والأدب، من أياد خالدة على الإنسانية.وأبرز ما يلفت نظر الدارس لحضارتنا أنها تمـيزت بالخصائص لتالية:

أنها قامت على أساس الوحدانية المطلقة في العقيدة؛ فهي أول حضارة تنادي بالإله الواحد الذي لا شريك له في حكمه وملكه، هو وحده الذي يعبد، وهو وحده الذي يقصد بـ «إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين» وهو الذي يعز ويذل ويعطي ويمنع. كما كان لهذه العقيدة أثر كبير في الحضارة الإسلامية، تكاد تتميز به عن كل الحضارات السابقة واللاحقة؛ هذا الأثر يتمثل في خلوها من كل مظاهر الوثنية وآدابها وفلسفتها في العقيدة، والحكم، والفن، والشعر، والأدب، وهذا هو سر إعراض (رفض) الحضارة الإسلامية عن ترجمة بعض روائع الأدب اليوناني الوثني، وهو سر عدم اهتمام الحضارة الإسلامية بفنون النحت والتصوير مع تقدمها في فنون النقش، والحفر، وزخرفة البناء.

إن الإسلام الذي أعلن الحرب على الوثنية ومظاهرها، لم يسمح لحضارته أن تقوم فيها مظاهر الوثنية وبقاياها المستمرة من أقدم عصور التاريخ، كتماثيل العظماء والصالحين والأنبياء والفاتحين. وقد كانت التماثيل من أبرز مظاهر الحضارات القديمة والحضارة الحديثة؛ لأن واحدة منها لم تبلغ في عقيدة الوحدانية المدى الذي وصلت إليه الحضارة الإسلامية.

وثاني خصائص حضارتنا أنها إنسانية الهدف، عالمية الرسالة؛ فالقرآن الكريم أعلن وحدة النوع الإنساني مع تنوع أعراقه ومواطنه. وكل حضارة تستطيع أن تفاخر بالعباقرة من أبناء جنس واحد وأمة واحدة، إلا الحضارة الإسلامية، فإنها تفاخر بالعباقرة الذين أقاموا صرحها من جميع الأمم والشعوب؛ فأبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والخليل، وسيبويه، والكندي، والغزالي، والفارابي، وابن رشد وأمثالهم ممن اختلفت أصولهم وأوطانهم، هم عباقرة قدمت فيهم الحضارة الإسلامية إلى الإنسانية أروع نتاج الفكر الإنساني السليم.

وثالث خصائص حضارتنا، أنها جعلت للمبادئ الأخلاقية المحل الأول في كل نظمها ومختلف ميادين نشاطها، ولم تتخل عن هذه المبادئ قط.

ورابع هذه الخصائص أنها تُؤمِن بالعلم في أصدق أصوله، وترتكز على العقيدة في أصفى مبادئها؛ فقد خاطبت العقلَ والقلبَ معا، وأثارت العاطفةَ والفكر في وقت واحد. وهي ميزة لم تشاركها فيها حضارة في التاريخ؛ فمن المساجد في بغداد، ودمشق، والقاهرة، وقرطبة، وغرناطة انطلقتْ أشعة العلم إلى أنحاء الدنيا كلِّها. إن الحضارة الإسلامية هي الوحيدة التي لم يفصل فيها الدين عن الدولة، مع نجاتها من كل مآسي المزج بينهما كما عرفته أوروبا في القرون الوسطى.

وآخر ما نذكره من خصائص حضارتنا هذا التسامح الديني العجيب الذي لم تعرفه حضارة مثلها قامت على الدين؛ فصاحب الدين الذي يؤمن بأن دينه حق، وأن عقيدته أفضل العقائد وأصحُّها، ثُمَّ يُتاح لهُ أنْ يَفتح المدن، ويحكم، ثم لا يظلم في الحكم، أو ينحرف عَنْ سُنن العدالة، أو يجبر الناس على اتِّباع دينه..

إن رجلا مثل هذا لعجيب أن يكون في التاريخ، فكيف إذا وجد في التاريخ حضارة قامت على الدين، وبنت قواعدها على مبادئه، ثم هي من أشد ما عرف التاريخ تسامحا وعدالة ورحمة وإنسانية.

هذه هي بعض خصائص حضارتنا وميزاتها في تاريخ الحضارات، ولقد كانت بذلك محل إعجاب العالم، ومهوى أفئدة الأحرار والأذكياء من كل جنس ودين.. يوم كانت قوية تحكم، وتوجه، وتهذب، وتعلم.

،

.

.

.

.

المصدر:

10-500x544

.

.

إصدارات مناهج العالمية – تعلّم العربية – الصف العاشر/ الفصل الدراسي الأول http://goo.gl/D3UugS