%d8%a8%d9%88%d8%a7%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%94%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%82-01

 

مشهد

وقفت بينهما محاولة تهدئة الموقف وقد تعالى صوت نحيب الصغرى مختلطاً بعباراتها “هي من أخذت لعبتي، أنا متأكدة، كل مرة تفعل ذلك” ، وارتفع صراخ الكبرى “لست أنا، والله لم آخذها، والله لم آخذها، والله لم آخذها”، طلبت من كليهما الهدوء والبدء بالبحث معاً عن اللعبة محاولة من خلال ذلك صرف نظرهما عن المشكلة إلى الحل، وفي نفس الوقت كنت أسعى لمعرفة إن كانت إحداهما تكذب أم لا. أثناء البحث سألت الصغرى لعلك تخبئين ألعابك في بعض الأماكن، ربما وضعتِها في أحدها ونسيتِ؛ تذكري، أسرعت مبادرة بالجواب “لا، لم أنسَ” ، بادرت الكبرى بسؤال آخر “ربما أنت شاهدت اللعبة في مكان ما، تذكري”، أسرعت بالإجابة بالنفي، لكن عينيها نظرت بسرعة إلى أحد الأدراج، عندها أدركت أنها تعرف مكان اللعبة، فخاطبتها أنك أنت الأكبر وربما يمكنك توقع أين توجد اللعبة – معززة لديها مكانتها كأخت كبرى- حاولي، فأسرعت متظاهرة بالبحث عن اللعبة حتى فتحت الدرج ذاته وأخرجتها، شكرتها معلنة انتهاء المشكلة إلا أنني أدركت في نفسي أنني أمام مشكلة أكبر وأعمق فابنتي تكذب وتوثق كذبها بالأَيمان، وعليَّ أن أفكر بالحل وأعيد غرس قيمة الصدق في نفسها، فماذا يمكنني أن أفعل؟!

مفهوم وأهمية

يبدو كمنجم غني بأثمن المعادن، أو مفتاح لصندوق ثمين لن نحصِّل ما بداخله من مجوهرات حتى نفتح به، إنه البوابة التي لابد من دخولها حتى نلج عالم الأخلاق، والدرجة الأولى التي لن نبلغ ما بعدها حتى نصعدها، كيف لا وقد أعلى الله سبحانه وتعالى عنده منزلته وأعظم الأجر لمن تحلَّى به!!

ألا يكفي أنَّه يهدي إلى البرِّ الذي يهدي إلى الجنة، وأنَّ الصادق يُكتب عند الله صدِّيقاً؟!

ألا يكفي أنَّه أوَّل صفات المؤمنين، وأعظم صفات المصطفى r وألقابه “الصادق الأمين”؟!

أوَ ما يكفينا أنَّ الله U مع الصادقين، وأنه وعدهم مغفرة منه وأجراً عظيماً؟!

إن الصدق هو أساس الفضائل، وأرقى الأخلاق والشمائل، وكلما تحلَّى الإنسان به كلما استطاع أن يقتلع من نفسه الكثير من الصفات السيئة وأن يدفعها للتحلي بمعظم الصفات الحسنة، فالصادق شخص عَدْل منصف أمين محترم، يُؤخذ بكلامه ورأيه ويوثق به، يحبه الناس ويأمنون جانبه، قادر على وعي نفسه وإنزالها قدرها، يطابق قوله فعله، ويفي بوعده والتزاماته، لا يحابي في باطل، ويصمد في صعب المواقف، وأعظم من ذلك كله نيله تلك المنزلة التي جعلها الله للصادقين.

لذا كان الصدق من أهم القيم التي ينبغي غرسها منذ الصغر في النفوس، ومن ثم تعاهد الغرسة ورعايتها، ومعالجتها مما يعتريها من أمراض، وتحصينها مما قد يصيبها من حوادث وملمَّات، حتى تغدو شجرة قوية راسخة الجذور طيبة الثمار تؤتيها كل حين بإذن ربها.

فهل نتخلَّق به ونربِّي أنفسنا وأبناءنا عليه، تحصيلاً لفضله واستجابة لقول الله U ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين))؟؟!!

أسالليب ووسائل

إن غرس القيمة في النفوس عملية أشبه كثيراً بغرس البذرة في التربة، تبدأ من تهيئة التربة والظروف المناسبة لاستقبال البذرة وتستمر حتى تنتهي بجذور تتغلغل في الأرض عمقاً، وجذوع تتطاول في السماء شموخاً، وطيب ثمر وجميل نفع وأثر.

وعليه فإن غرس قيمة الصدق عند الطفل يبدا من تهيئته نفسياً لاستقبالها، من خلال ربطه بها وجدانياً، وإشعاره بأهميتها، وجعله محباً للتمثل بها شاعراً بالاعتزاز بذلك، ومن ثم تعريفه بمظاهر الصدق ومواقفه وفضله ونتائجه وعظيم آثاره، إضافة إلى توضيح عواقب الكذب ودناءة الاتصاف به، مع تحيُّن الوقت واختيار الأسلوب الأنسب لذلك، مما يدفع الطفل رويداً رويداً للرغبة في التحلي بالصدق والسعي لتمثله والاتصاف به.

إن قصة محبَّبة بأسلوب مشوق تتحدث عن نموذج للصدق، وأخرى عن شجاعة طفل باعترافه بخطئه لأنه صادق وكيف استطاع أن يكسب الأجر من ربه واحترام أقرانه ومجتمعه، وغير ذلك من القصص المعززة لهذه القيمة، مع تكرار الثناء على سلوكيات الصدق الظاهرة في البيئة التي يعيش فيها ولفت انتباهه لها،  وتلقيبه بألقاب الصدق وربط ذلك بنماذج عظيمة لها قيمتها في نفوسنا؛ فهو الصادق تأسياً بنبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم الذي عرف بالصادق الأمين، إضافة إلى حوار بسيط حول أهمية الصدق ومتى يلزم أن نكون صادقين،  وذكر لأدلة شرعية ونقلية عن الصدق، وأهم من ذلك كله تمثل المربي لهذه القيمة وأن يكون بذاته نموذجاً لها، كل ذلك يعمق قيمة الصدق ففي نفس الطفل ويرسخها، ويجعله يستشعر بأهميتها ويحب أن يكون مثالاً لها، عندها يبدأ الطفل بمحاولة تمثل الصدق في حياته قولا وفعلاً، ويلحظ الكثير من سلوكيات من حوله الدالة على صدقهم ويثني عليها، ويستنكر الكثير من سلوكيات الكذب، وهنا يجب على المربي متابعة غرسته التي بدأت تقوى وذلك من خلال زيادة وعي الطفل بالسلوكيات الدالة على الصدق وجزائها وسلوكيات الكذب وعواقبها، مستخدماً العديد من الأساليب في ذلك؛ كذكر الأمثلة الموضحة لذلك، وإجراء مسابقة معرفية تعزز معرفته، حول الصدق وعرض بعض المشاهد المرئية الداعمة لذلك، وغيرها من الأساليب التي تعمق معرفة الطفل بهذه القيمة العظيمة.

بعد ذلك يبدأ المربي بتوجيه الطفل لتمثل الصدق في أفعاله وأقواله من خلال سلوكيات واضحة له، ويتابعه في ذلك تحفيزاً وتشجيعاً، مذكراً له بالمكاسب والفضائل التي سيحصلها، طالباً منه التخلي عن سلوكيات الكذب، مرهِّباً له إن فعلها ومبيناً له الخسائر التي ستترتب عليه، مع استمرار التوجيه والمتابعة حتى يصبح الطفل مثالاً للصدق في أقواله وأفعاله مراقباً هو لنفسه مؤنباً لها إن قصرت، ومعززاً لها إن أحسنت.

هنا تكون الغرسة قد تعمقت جذورها وأورقت أغصانها وأينعت ثمارها، واصبح الطفل مستحقاً بجدارة للقب “الصادق”.

 

 

لفتة قصصية

أخطأ رامي خطأً كبيراً، فظنَّ أنَّ الهروب من المواجهة سيُجنِّبه ألم المجابهة، حتَّى علَّمته الأمُّ والجدَّة أنَّ الصدق منجاة وراحة.

متابعة شيِّقة مع قصة (رامي والكرة)