186

.

تاريخ مدينة القدس ضارب في القدم، وأقدم ما يعرف عن هذا المكان الطاهر يرجع إلى الألف الرابعة قبل الميلاد، حيث أنشأ العرب الكنعانيون هذه المدينة، وظل ذلك الاسم شائعا علاوة على أسماء أخرى أطلقت على هذه المدينة في بعضِ مراحلِ تاريخها، قديما وحديثا. ومهما اختلفت الأسماء وتعددت، فإن مدينة القدس تستمد مكانتها من وجود (بيت المقدس) فيها، وكونها مسرى النبي محمد-صلى الله عليه وسلم-حيث يبين الله -عزوجل- مكانة هذه المدينة المباركة في سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } ( سورة الإسراء: 1 ). 

وكان بيت المقدس القبلة الأولى للمسلمين، حيث بقوا يصلون مولين وجوههم شطرها ستة عشر شهرا حتى أمرهم الله بالتوجه نحو المسجد الحرام قال الله تعالى:{قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} ( سورة البقرة:144 ).

وكان اسم بيت المقدس معروفا أثناء رحلة الإسراء والمعراج، حيث وردت أحاديث نبويَّة ذكرت تلك المدينة المقدّسة . ففي الحديث الَّذي يرويه أبو الدرداء- -عن النبي- صلى الله عليه وسلم- ( االصَّلاةُ في بَيْتِ المَقْدِسِ  بخمسمائة صلاة ) .
هذا، ولم ينعم هذا البلد الطاهر بالأمان إلا بعد أن فتحه المسلمون بقيادة أبي عبيدة ابن الجراح، في خلافة عمر بن الخطاب -صلى الله عليه وسلم- الذي جاء من المدينة المنورة إلى الشام ؛ لكي يتسلم مفاتيح هذه المدينة بنفسه .

لقد دام حكم المسلمين لمدينة القدس طيلة ثلاثة عشر قرنا، خلا قرن واحد تمكن فيه الصليبيون من الاستيلاء على أجزاء من فلسطين، وعلى بيت المقدس .
وكانت فترة حكم المسلمين أطول مدة في تاريخ المدينة المقدسة، حيث ذاقت فيها حلاوة الاستقرار، وأطلقت فيها حرية العبادة للطوائف كلها، وعني المسلمون بهذه المدينة المقدسة حيث أقاموا فيها المساجد، واعتنوا بصفة خاصة بكل مِن الصخرة والمسجد الأقصى. وكان أول عمل قام به عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعد تسلمه مفاتيح بيت المقدس  إزالة الأوساخ من بيت المقدس، وتنظيفَ أرجائه حتى برزت الصخرة.

ومن يذكر بيت المقدس، لا بد أن يتذكر الحكمة في إسراءِ نبينا محمد-صلى الله عليه وسلم- إلى بيت المقدس، فقد كان لإظهار الحق على من عانده من كفار مكة وغيرها ؛ لأنه لو عرج به من مكة إلى السماوات العلا، لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلا إلى البيان والإيضاح، فلما ذكر أنه أسري به إلى بيت المقدس  سأله المشركون عن أشياء من بيت المقدس  كانوا قد رأوها، ويعلمون أنَّ النبي-صلى الله عليه وسلم- لم يرها، فلما أخبرهم بها، تأكد صدقه -صلى الله عليه وسلم- فيما ذكر من الإسراء به إلى بيت المقدس، وإذا صح خبره في ذلك لزم تصديقه في بقية ما ذكر. وأمَّا الحكمة في كون بيت المقدس هو منتهى الإسراء، ومنطلق المعراج، وتخصيصه بذلك دون غيره من الأماكن؛ فهي لأن مكة فيها  أول بيت وضع للناس، قالَ تعالى:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} ( سورة آل عمران: 96  ).

أما مدينة القدس ففيها البيت الثاني لعبادة الله (بيت المقدس).
روى الشيخان عن أبي ذر-رضي الله عنه- قالَ: (قُلتُُ يا رسولَ اللهِ: أيُّ مَسجدٍ وُضِعَ في الأرضِ أوَّلًا؟ قالَ: المَسْجِد الحرامُ. قالَ: قُلْتُ: ثمَّ أيّ؟ قالَ: المَسْجِد الأقصى. قُلْتُ: كَمْ كانَ بينَهما ؟ قالَ: أربعونَ سنةًً). لهذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يربط بين هاتين البقعتين في رحلة الإسراء والمعراج لوجود أقدم مسجد فيهما، ليعلمنا رب العزة والجلال درسا في توحيد عبادته، ووحدة رسالته.

.

.

.

.

.

.

المصادر:

.

.

إصدارات مناهج العالمية – تعلّم العربية – الصف الثامن/ الفصل الدراسي الثاني https://goo.gl/ruQ9oU