647858492

.

فَطـرَ الله الإنسـان على حب السعادة والسعي الـدؤوب لتحقيقها، ولكن الـناس يختلفون في فهم السعادة، وطريقة الوصول إليها.
فـمن الـناس من يـرى الــسعادة فـي اكـتناز المال، وجمع الثروة، ويـتتبع كـل سـبيل للوصول إلى غرضه، وتحقيق أمنيته دون النظر إلى حل أو حرمة الطريق التي يـسلكها. وآخرون يرون السعادة في سكنى القصور الفاخرة، وركوب السيارات الفارهة، فيتباهون بمساكنهم ومراكـبهم. وفـئة ثالثة ترى السعادة في عظم الجاه والسلطان، وتقر أعينهم برؤية الناس وقوفا على أبوابهم؛ لقضاء حاجاتهم، فهم يأمرون هذا، وينهون ذاك. ويسلك هؤلاء وهؤلاء كل سبيل؛ لتحقيق ما يطمحون إليه، دون النظر إلى طريقة الوصول لتحقيق ما يرى فيه السعادة.

فأين السعادةُ الحقيقية؟ وكيف يمكن الوصول إليها؟

إن السعادة الحقيقية في نظر المؤمن هي الإحساس في أعماق نفسه، أن الله راض عنه،  ومن ثم، فليستمتع بكل ما أحل الله من الطيبات، ولينته عن كل ما حرم الله. أما الوصول إلى هذه السعادة فقد رسم الله تعالى لنا الطريق إليها. إن طريق الإيمان والعمل الصالح، هو الدرب الذي رسمه لنا المولى – عزَّ وجلَّ –  وأوجب علينا اتباعه، ووعدنا عليه الحياة الطيبة في الدنيا، والثواب العظيم في الآخرة، وتلك هي السعادة.

قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (سورة النّحل : 97).
فلذلكَ، تجد الإنسان المؤمن الذي عرف ربه، وملأ الإيمان قلبه، وسلك طريق الاستقامة والصلاح، يعيش مطمئن البال، منشرح الصدر، طليق الوجه، قد ملأت الراحة النفسية جوانب قلبه، وظهرت أماراتها على محياه؛ وذلك بسبب اتصاله بربه، وتوكله عليه، ويقينه بخالقه، وقناعته بما وهبه الله له، ورضاه بما يقدِّره ربه له، فهو يعيش في سعادة حقيقية حتى وإن أصابه بلاء يمتحنه الله به، فهو يحتسب أجره عند الله ؛ لأنه يفهم معنى حديث رسولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ). رواه مسلم

وأما من تنكـب درب الهدى والصلاح، وجعل الدنيا غايته الأولى، وهمه الأكبر، فمهما يبلغ من الثراء، ويعتل من المناصب، ويؤت من متاع الدنيا ما أوتي، فما أكثر الهموم التي تركبه فيعيشُ في جو من القلق والضيق، وقلما يشعرُ بالطمأنينة وراحة البال ؛ لابتعادهِ عن طريق الاطمئنان، وقلقه على فوات مصالحه الدنيوية، وخوفه من تعسر الرزق عليه، أو جفاء الناس له، أو حلول المصائب والنكبات عليه، كأنه واقف على خشبة وسط البحر، والأمواج تتقاذفها مصداقاً لقولهِ تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ} (سورة طه : 124).  
فليست السعادة في كثرة الأموال، ولا عظم الجاه، ولا في القصور العامرة، والمناصب العالية؛ لأن هناك كثيرا من الناس نالوا من متاع الدنيا ما نالوا، ولكنهم لم يعرفوا الراحة والسعادة طول حياتهم؛ لأنهم ابتعدوا عن الله، وتنكبوا طريق هدايته، فخلفوا كل ذلك  خلف  ظهورهم، ولم يحملوا منه شيئا إلى قبورهم، فلا هم ارتاحوا بأموالهم وجاههم في الدنيا، ولا هم قدموها لآخرتهم.   

أما المال، والجاه، والشهرة، وكل الطيبات التي أحلها الله، فهي نعمة يهبها الله لمن يشاء من عباده، جعلها الله وسائل يقطع بها الإنسان هذه الحياة، ويتغلب بها على مصاعبها، ولم يجعلها أسبابا تُبعد الإنسان عن ربـه وتشغله عن عبادته، فهي توفر الراحة والاطمئنان في ظل الهداية والعمل الصالح، ولا تغني أبدا عن سر السعادة الحقيقي، وهو التقوى.

فالسعادة، كل السعادة في اتباع منهج الله، والسيرِ في درب الخير والصلاح. والشقاء كل الشقاء في الابتعاد عن المنهج القويم، وتنكب طريق الهداية، والتنافس على الدنيا، والسير على طريق الهوى.

.

.

.

المصدر:

.

.

إصدارات مناهج العالمية – تعلّم العربية – الصف التاسع/ الفصل الدراسي الأول https://goo.gl/4BxZje