%d8%a7%d9%86%d9%85%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%82-1

وضَع القرآن الكريم دعائم الدستور الأخلاقي الذي يستمد منه المؤمن خلقه، ويحدد سلوكه مع خالقه، ومع نفسه وأهله، وينظم علاقاته الإجتماعية مع جيرانه وأفراد مجتمعه. كما وضع الأساس المتين (القوي) لتنظيم الحياة، وبناء المجتمع بما يعود على أفراده بالأجر والثَّواب في الدنيا والآخرة.

تستمد الأمم في العادة مبادئها الخلقية من مثلها العليا التي تؤمن بها، ومن عاداتها وتقاليدها؛ وهو أمر كثيرا ما يكون عرضة (قابلا) للتعديل أو التبديل تبعا للظروف التي تمر بها الأمم. والظروف متغيرة لا تثبت على حال، على أن لكل أمة منها مثلها الخاصة بها، وعاداتها التي تؤمن بها، والتي تختلف من أمة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر. فما لا نقبله نحن، وما نراه منكرا، قد يكون عند غيرنا أمرا مستحبا، ولا حرج على من يمارسه أو يأتيه.

وأدب السلوك وحسن الخلق عند الأمم، يظهر في الالتزام بممارسة كل عمل يقبله أكثر أفراد المجتمع، ويرضون عنه، وعمَّن يمارسه؛ فتصفه حينذاك بحسن السيرة وكرم الخلق. وإذا أتى أحد بما يخالفه، وصفته بسوء السيرة والسلوك.

ويتفاوت (يختلف) الناس في الحكم على ما هو حسن وما هو قبيح؛ ذلك أن آراء الناس مختلفة؛ تتحكم في أحكامهم الميول والأهواء التي تتغير من وقت إلى آخر، ومن ظرف إلى ظرف، حسبما تمليه عليهم مصلحتهم وأهواؤهم إلا إذا ألزموا أنفسهم بما تعارفوا عليه من شرائع وقوانين. وقد حذرنا الله -عز وجل- من أن نتبع أهواءنا، ونستمد منها أحكامنا.

غير أن الدستور الأخلاقي في الإسلام – المستمد من كتاب الله -عز وجل- ، ومن سنة نبيه الكريم- قد ضمن مصلحة البشر في كل عصر؛ هدفه نشر العدالة، وإحقاق الحق بغض النظر عن الظروف المتغيرة التي يمر بها الناس، والأحوال المختلفة الَّتي تحيط بهم. فالله -عز وجل- هو وحده العليم بطبيعة نفوسهم، وما هم عليه من الخير والشر. وهو الخبير بمصلحتهم، وبما ينفعهم وبما يضرهم، ليس على المدى القصير فحسب، وإنما على المدى الطويل كذلك؛ ذلك أن الله -عز وجل- هو الخبير بخلقهم وتكوينهم، وما كانت عليه حالهم، وهم أجنة في بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، وهو المطلع علىما تحدثهم به نفوسهم، والحفيظ على كل أعمالهم وتصرفاتهم حتى تنتهي آجالهم؛ ومن هنا أمرهم ألا يزكوا أنفسهم؛ لأنه تعالى هو أعلم بمن اتقى.

قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ} النَّجم (32).

والله -عز وجل- أعلم بنفوس البشر، ووقوعها في الزلل والخطايا إما عن جهل، وإما عن طريق النسيان، وإما عن طريق الإكراه؛ فأعفاهم -عز وجل- من أي عقاب على أيِّ خطأ إلَّا ما كان متعمدا، رحمة بهم، وتخفيفا عنهم يوم القيامة. قال -صلى الله عليه وسلم-: «رُفع عن أمَّتي الخطأ والنِّسيان، وما استُكرِهوا عليه».

والخلق الإسلامي هو الخلق القويم الذي يحفظ للإنسان كرامته بما يحقق له ذاته الخاصة، وكيانه الخاص، وبما يُسهم إسهاما فعالا في بناء مجتمع سليم، وهو في الوقت نفسه يضمن له حياة طيبة ينعم فيها بالأمن والاستقرار. فهو سلاح المؤمن الذي يدافع به، ويقابل به الأحداث. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان خُلُقه القرآن».

ومن هنا تنبع أهمية القواعد الخلقيّة التي أقرها الله -عز وجل- في شرعه الحكيم، حيث إن الخير المطلق هو الذي يكون داخل دائرة هذه القواعد، والذي تتفرع منه أنواع السلوك.

حُســن الخُلُــق

الإيمان وحُسن الخُلُق صنوان لا يفترقان؛ فصاحب الخُلق الحسن يبلغ بإيمانه وخلقه المنزلة الرفيعة التي أعدها الله لعباده المتَّقين. قال -صلى الله عليه وسلم-: «مَا من شيء يوضع في الميزان أثقل من حُسن الخُلق، وإنَّ صاحب حُسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصَّوْم والصَّلاة» سنن التِّرمذي، وقال -صلى الله عليه وسلم- أيضا: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا» صحيح ابن حبان.

وترتفع منزلة صاحب الخُلق عند الله -عز وجل- حتى تصل درجة المحبة، وهي أرفع ما يمكن أن يناله عبد من ربه، قال -صلى الله عليه وسلم-: «أحبُّ عباد الله إلى الله أحسنهم خُلقًا» المعجم الكبير ج1/ص181

كما يحظى -أيضًا- بمحبة الرسول الكريم، قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- : «إنَّ من أحبّكم إليَّ أحسنكم أخلاقًا» صحيح ابن حبّان ج2/س235.

وقد هدف القرآن الكريم إلى أن يبني عند الإنسان من الخُلُق الحسن، والضمير الحي وازعًا ذاتيًّا يكون هديه الذي يهتدي به في سلوكه وتصرفاته. وقد عرَّف الإسلام حدود الطاقة (القدرة) البشرية، فلم يكلفها ما فوق طاقتها، وإنما طلب منها أن تبذل (تقدِّم) ما تستطيعه في هذا السبيل وفق استطاعتها وإمكاناتها، وأن تسعى إلى الخير والبـرِّ ما استطاعت. قال الله عز وجل- : {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}. التَّغابن (16)

وفي الإيمان، مع تقوى الله وحُسن الخُلُق، ما يؤملنا بالفوز المبين عند الله -عز وجل-؛ فننال رضوانه، وندخل جنَّته. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أتدرون ما أكثر ما يُدخِل النَّاس الجنَّة؟ تقوى الله، وحُسنُ الخُلُق» الورع ج1/ص93.

وليس أدل على فضل حُسن الخُلق من أن الله – سبحانه وتعالى – قد خص بهذا الوصف رسوله الكريم محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ، فقال عنه: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم (4)، كما أنه -صلى الله عليه وسلم- أشار إلى أهمية الخُلُق الحســـــــــن بقولـه: «إنَّما بُعثت لأُتمِّمَ مكارمَ الأخلاق» وفي رواية أخرى: «بُعثتُ لأُتمِّمَ صالح الأخلاق».

وحُسن الخُلُق نوع من أنواع البـرِّ والإحسان؛ كالمال سواء بسواء. فمن لم يستطع أن يُحسن للناس بماله، فليُحسن إليهم بخُلُقه وحُسن تعامله، قال -صلى الله عليه وسلم- : «إنَّكم لا تَسَعون النَّاس بأموالكم، ولكن ليسعْهم منكم بسْطَة الوجه وحسن الخلق» المستدرك على الصحيحين ج1/ص212.

وقد أوضح رسولنا الكريم العلاقة التي تقوم بين أفراد المجتمع الإسلامي بجملة موجزة (مختصرة)، جمعت كل معاني الفضيلة والخُلُق، حيث قال: «الدّين النَّصيحة  لله، ولرسوله، ولأئمَّة المسلمين، وعامَّتهم». وبهذا يقدِّم كل فرد لهذا المجتمع المشورة، ويسدي إليه النصح، ويحسن معاملته في : بيعه وشرائه، وفي جواره، وفي صحبته في السفر، وفي علاقاته الاجتماعية؛ ولذا اقتضت حكمته سبحانه أن يغفر لنا خطايانا، وأن يعفو عنا في حقوقه الخاصة، أما حقوق العباد، فلا يمحوها غيرهم.

وخلاصة القول، إن دستور الأخلاق في الإسلام، يقوم على أمور أساسية ثلاثة: أولها؛ الإيمان بالله -سبحانه وتعالى – مع ما يصاحب هذا الإيمان من تقوى؛ ليكون الأساس الأول في أي تربية أخلاقية. وثانيها؛ الوازع الأخلاقي الذي ينبع من هذا الإيمان ويتمشى مع تعاليمه. وثالثها؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وهو المبدأ الذي يجب أن يسود علاقاتنا مع الآخرين، وهي ما تضمنه كتاب الله وسنة نبيه. قال -صلى الله عليه وسلم-: «تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسَّكتم بهما: كتاب الله، وسنَّتي» موطأ مالك ج2/ص899 .

المصدر:

.

.

إصدارات مناهج العالمية – تعلّم العربية – الصف الثاني عشر/ الفصل الدراسي الأول https://goo.gl/3uZ2x7