17154453_401

لما هاجر الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة، وفيها من اليهود عدد كبير، كانَ أوَّل ما عمله من شؤون الدولة، أن أقام بينه وبينهم ميثاقا تحترم فيه عقائدهم، وتلتزم فيه الدولة بدفع الأذى عنهم، ويكونون مع المسلمين يدا واحدة على من يقصد المدينة بسوء. فطبق الرسول – صلى الله عليه وسلم – بذلك مبادئ التسامح الديني في البذور الأولى للحضارة الإسلامية. وكان للرسول – صلى الله عليه وسلم – جيران من أهل الكتاب، فكان يتعهدهم ببـره، ويعطيهم الهدايا، ويتقبل منهم هداياهم.

ولـما جاء وفد نصارى الحبشة أنزلهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في المسجد، وقام بنفسه على ضيافتهم وخدمتهم، وكان مما قاله يومئذ: «إنَّهم كانوا لأصحابنا مكرِمين؛ فأحبُّ أنْ أكرمهم بنفسي».

وجاءه وفد نصارى نجران، فأنزلهم في المسجد، وسمح لهم بإقامة صلاتهم فيه، فكانوا يصلون في جانب منه، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون يصلون في جانب آخر. ولـما أرادوا أن يناقشوا الرسول – صلى الله عليه وسلم – في الدفاع عن دينهم، استمع إليهم، وجادلهم برفق، وأدب، وسماحة خلق. كما قبل الرسول – صلى الله عليه وسلم – من المقوقس هديته، وقبل منه جارية أرسلها إليه. ومِن وصاياه للمسلمين «استوْصوا بالقِبْطِ خَيْرًا؛ فإنَّ لكم فيهم نَسبًا وصِهرًا».

وعلى هدي الرسول الكريم في تسامحه الديني سار خلفاؤه من بعده؛ حيث نجد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين دخلَ بيت المقدس فاتحا، يجيب سكانها النصارى إلى ما اشترطوه من ألا يساكنهم فيها يهودي. وتحين صلاة العصر، وهو في داخل كنيسة القدس الكبرى، فيأبى أن يصلي فيها؛ كي لا يتخذها المسلمون من بعده ذريعة للمطالبة بها، واتخاذها مسجدا. وعندما شكت إليه امرأة نصرانية من سكان مصر أن عمرو بن العاص قد أدخل دارها في المسجد كرها عنها، ووضع قيمة الدار في بيت المال؛ لتأخذه متى شاءت، فإن عمر لم يرض ذلك، وأمر عمرا أن يهدم البناء الجديد من المسجد، ويعيدَ إلى المرأة النصرانية دارها كما كانت.

ومن مظاهر التسامح الديني، أن الكنائس كانت تجاور المساجد في ظل حضارتنا الخالدة. وكان رجال الدين في الكنائس يعطون السلطة التامة على رعاياهم في كل شؤونهم الدينية؛ لا تتدخل الدولة في ذلك، بل إن الدولة كانت تتدخل في حل المشكلات الخلافية بين مذاهبهم، وتنصف بعضهم من بعض.

عندما دخل المسلمون القسطنطينية، أعلنوا يومئذ تأمين سكانها- وكانوا كلهم نصارى- على أموالهم، وأرواحهم، وعقائدهم، وكنائسهم، وصلبانهم، وأعفوهم من الجندية، ومنحوا رؤساءهم سلطة التشريع، والفصل في الخصومات التي تقع بين رعاياهم، دون أن تتدخل الدولة فيها! فرأى سكان القسطنطينية فرقا كبيرا بين ما كانوا يعاملون به في عهد البيزنطيين ومعاملة المسلمين.

ومن مظاهر التسامح الديني في حضارتنا، أن كثيرا من الكنائس كان يصلي فيها المسلمون والنصارى في وقت واحدٍ إبان الفتح الإسلامي! وقد رأينا كيف سمح النبي – صلى الله عليه وسلم – لنصارى نجران أن يصلوا في مسجده بجانب المسلمين، وهم يصلّون صلاتهم. وفي كنيسة يوحنا الكبرى في دمشق التي أصبحت الجامع الأموي فيما بعد، رضي النصارى -حين الفتح- أن يأخذ المسلمون نصفها، ورضي المسلمون أن يصلوا فيها صلاتهم، فكنت ترى في وقت واحد أبناء الديانتين يصلون مُتجاورين؛ هؤلاء يتجهون إلى القبلة، وأولئك يتجهون إلى الشرق. وإنه لمظهر عجيب فريد في التاريخ له مغزى عميق في الدلالة على التسامح الديني الذي بلغته حضارتنا.

المصدر:

10-500x544

.

.

إصدارات مناهج العالمية – تعلّم العربية – الصف العاشر/ الفصل الدراسي الأول http://goo.gl/D3UugS