المدونة >> لبنات تربوية >> اختيار أم إجبار؟!

1-01مشهد

قبل الخروج لزيارة الأصدقاء صراخ يتعالى بين زوجتي وابني يترافق تارة ببكاء الصغير وتارة بكلمات توبيخ شديدة اللهجة من أمه، اسرع إلى الغرفة محاولاً معرفة المشكلة وتهدئة الأمر بل إنهاءه بأسرع وقت حتى لا نتأخر عن موعدنا.
“ما الأمر؟” أجابتني بصوت مبحوح: أشتري له أحسن الملابس وأجملها ليكون الأفضل بين أقرانه، لكنه لا يريد أن يلبس ما اخترته له، انظر ما الذي يعجبه وماذا يريد أن يلبس!!  
استدرت إلى طفلي معاتباً ومستفسراً “لمَ لا تلبي رغبة أمك؟” أجاب والكلمات تتدحرج من فمه كدموعه: “لا أحب ذلك اللون، وهذا اللباس لا يريحني، بينما هذه الكنزة تعجبني كثيراً وذلك الشُرط مناسب لألعب به”
وقفت أمامهما حائراً؛ هل أجبر طفلي على الانصياع لأمه أم أقنع زوجتي أن تتركه يلبس ما يريده، الوقت يمضي سنتأخر؛ ماذا أفعل؟!

مفهوم وأهمية

لكل منا رغباته الخاصة وانطباعاته التي يتمتع بها وتتشكل معه كلما تقدم به العمر وازدادت معرفته وخبراته، هذا التنوع والاختلاف يجعلنا نتباين في آرائنا وتحديد احتياجاتنا، ومن حق أي منا أن يُعبر ويختار ما يريده في إطار من المعايير والضوابط التي توجه الأمر لينحى بالاتجاه الصحيح. وهذا الحق لا بد أن يُمنح للإنسان منذ أن يكون طفلاً إلى بلوغه أقصى درجات الوعي والإدراك، بل إن من أهم المهارت التي يجب علينا بناؤها في شخصية الطفل هي مهارة القدرة على الاختيار والتي تُبنى عنده بمنحه ذلك الحق وتلك الحرية.
إن منح الطفل حرية الاختيار منذ صغره بما يتناسب مع عمره وخبراته؛ يزيد ثقته بنفسه ووعيه بها، ويمكنه من القدرة على تكوين آرائه وتوجهاته، كما يزيد من مهارته في اتخاذ القرار، وينمي ذائقته، ويجعله أكثر معرفة بحدوده وحدود الآخرين؛ الأمر الذي يعينه على احترام رغباتهم واختياراتهم، إضافة إلى ما لهذا الأمر من تأثير إيجابي على جو الأسرة؛ فهو يقلل الكثير من الصراعات بين الآباء والأبناء، ويوفر الكثير من الوقت على المربين، ويسهل عليهم مهمة التربية، فبدل أن يكون الأب والأم مسؤولين عن اختيار ما يناسب كل ابن من أبنائهما -ابتداءً من عملية معرفة الخيارات المتاحة وانتهاءً بعملية الإقناع أو الشجار حول الأمر لإلزام الطفل بما يختارونه- فإن كلَّ ابن يكون مسؤولاً عن ذاته وتحديد ما يناسبه موفراً الوقت والجهد على والديه مختصراً طويل النقاشات وعمليات الإقناع، ويبقى على الوالدين فقط توجيه عملية الاختيار لتبقى ضمن إطارها الصحيح.
إن حرية الاختيار تعني أن يكون الطفل قادراً على فهم الاختيارت المتاحة له ثم التفضيل بينها بناء على رغباته وضمن معطيات واضحة ومعايير ضابطة، ولابد للمربي أن يكون متعمقاً في شخصية الطفل قادراً على معرفة ميولاته ورغباته ومهاراته، ومن ثم قادراً على توجيهها التوجيه الصحيح الذي يحفظ للطفل حريته ويعلمه أسس الاختيار والقدرة على اتخاذ صائب القرارات، وبنفس الوقت يزيد معرفته بنفسه ووعيه بذوقه ورغباته ويغرس ثقته بنفسه.
لكن أليس من حق الآباء أن يفرضوا على أبنائهم بعض الأمور خصوصاً فيما يرونه صواباً، وهل يصحُّ أن يفتح مجال الاختيار للطفل على مصراعيه فلا ضوابط أو حدود؟

الإضاءات

  • من أهم المهارت التي يجب علينا بناؤها في شخصية الطفل هي مهارة القدرة على الاختيار والذي تُبنى عنده بمنحه حق حرية الاختيار.

  • إن منح الطفل حرية الاختيار يزيد ثقته بنفسه ووعيه بها، ويمكنه من القدرة على تكوين آرائه وتوجهاته، كما يزيد من مهارته في اتخاذ القرار، وينمي ذائقته، ويجعله أكثر معرفة بحدوده وحدود الآخرين؛ الأمر الذي يعينه على احترام رغباتهم واختياراتهم.

  • حرية الاختيار تعني أن يكون الطفل قادراً على فهم الاختيارت المتاحة له ثم التفضيل بينها بناء على رغباته وضمن معطيات واضحة ومعايير ضابطة.

ضوابط ومعايير

حتى تتوجه حرية الاختيار بطريقة صحيحة تؤتي ثمارها لابد من ضوابط ومعايير تضبطها وتوجهها، فمعرفة الطفل ووعيه بخياراته وكيف ومتى ومِمَّ يختار أمور مهمة لكي لا تتجاوز هذه الحرية حدود سعتها ولا تطغى على حريات الآخرين، وعلى المربي أن يحسن توضيح الضوابط وصياغة المعايير، فيرسخ في نفس الطفل الضوابط الدينية والاجتماعية والمالية والأمنية اللازمة لممارسته حرية الاختيار ويفهمه معنى حق الآخر وحريته، فيُمكِنها أن تلبس ما تشاء طالما أن الشرع أباحه، وأن سعره ضمن الإمكانيات المالية المتاحة، وأنه ليس ملكاً لغيرها، مع مراعاة بعض الأعراف المؤثرة فلباس اللعب لا يناسب مثلاً للحفلات، وهكذا، كما على المربي أن يصوغ ويعقد بعض القوانين والاتفاقات التي تعينه على توجيه عملية الاختيار لتصب في مصلحة الطفل، فمن حق الطفل أن يختار ما يحبه من الألعاب لكن لا يتاح له أن يختار ما يضره و يسيء له أو أن يلعب وقتاً طويلاً، وما يضبط هذا الأمر وجود اتفاق بين المربي والطفل يحدد فيه عدد ساعات اللعب وكيفية ونوعية الألعاب التي سيلعبها، فيتفق معه مثلاً أن له ساعتين يومياً يمكنه أن يلعب خلالها الألعاب الإلكترونية على أن لا تكون هذه الألعاب تدعو للعنف أو انحطاط الأخلاق.
إن عملية ترسيخ الضوابط وصياغة الاتفاقات والقوانين اللازمة لتوجيه حرية الاختيار ليست مهمة آنية بل هي عملية متدرجة مستمرة تراعي عمر الطفل وإدراكه ومراحل نموه، ولا بد أثناءها من محاورة الطفل وإقناعه وتوضيح الأسباب التي جعلت من هذا الضابط أساساً ومن هذا الاتفاق قانوناً بأسلوب يتناسب معه.
وهناك أمر مهم يستثار دائماً؛ هل على الطفل أن يطيع والديه فيما هو من حقه؟!  لو أرادت الأم مثلاً أن تلبس ابنتها لباساً معيناً لا يخرج عن الضوابط ولا يخالف القوانين المتفق عليها، والابنة تريد غيره، هل يلزمها طاعة أمها أم لا؟!
إن الأصل أن طاعة الوالدين وتقديم رغباتهما واجبة على الطفل، وللعلماء في ذلك أقوال توضح حدود هذه الطاعة، إلا أن على الوالدين أن يوازنا بين تربية الطفل على الطاعة والبر والإحسان بهما وبين أن لا يطغى ذلك على حريته وشخصيته، وكلما كانا أكثر فطنة ووعياً كلما جعلا من طاعتهما سبيلاً لجعل أطفالهما متوازنين قادرين على تحقيق ذواتهم والإحسان إلى ذويهم.
ويبقى أن يعرف المربي كيف يمكنه أن يدرب الطفل ويجعله يمارس حقه بطريقة صحيحة في حرية الاختيار.

الإضاءات

  • ترسيخ الضوابط الدينية والاجتماعية والمالية والأمنية في نفس الطفل، بالإضافة إلى توعيته بمعنى حق الآخر وحريته؛ من أهم الأمور التي تجعله يمارس حقه في حرية الاختيار بطريقة صحيحة تصقل شخصيته وتزيد وعيه وإدراكه.

  • إن عملية ترسيخ الضوابط وصياغة الاتفاقات والقوانين اللازمة لتوجيه حرية الاختيار ليست مهمة آنية بل هي عملية متدرجة مستمرة تراعي عمر الطفل وإدراكه ومراحل نموه.

  • كلما كان الوالدين أكثر فطنة ووعياً كلما جعلا من طاعتهما سبيلاً لجعل أطفالهما متوازنين قادرين على تحقيق ذواتهم والإحسان إلى ذويهم.

أساليب ووسائل

يعرف كثير من المربين العديد من المفاهيم التربوية والمهارات الحياتية اللازمة لعملية التربية ويدركون أهميتها، إلا أن معظمهم يجهل الآلية والأساليب التي تمكنهم من التربية على ذلك المفهوم أو تطوير تلك المهارة، ولعل هذه النقطة هي جوهر الفرق بين من يحقق نتائج حقيقية وبين غيره.
التربية على حرية الاختيار عملية تبدأ منذ الصغر، ووعي المربي برغبات الطفل وميوله وماذا يحب وماذا يكره تجعله يعرف ويميز العديد من التفضيلات لدى طفله، كما أن إدراكه لطبيعة شخصية الطفل وكيف يبني اختياراته؛ هل يبنيها بوعي بناء على رغباته، أم تأثُّراً بأشخاص أو ظروف خارجية، تجعله يدرك مدى وعي الطفل ومعرفته بنفسه ومدى تأثره بما حوله، ومن ثم يبدأ المربي باتخاذ الأساليب المناسبة التي تتناسب مع الطفل وتصقل شخصيته.
ولتدريب الطفل على حسن الاختيار أساليب عديدة؛ فيمكن للمربي أن يضع الطفل في مواقف حياتية معينة يحتاج فيها للاختيار من خلال الحوار أو حكي القصص أو المشاهدة ومن ثم يطلب منه أن يحدد اختياراته في هذه المواقف مع متابعة عملية التوجيه. كما يمكن للمربي أن يطلب من الطفل أن يقوم بعدة اختيارات يومياً فيطلب منه أن يختار صنف الغداء مثلاً أو يختار مكان وضع السرير في غرفة نومه أو يختار اسم القصة التي ستقرأ له قبل النوم أو …. مع توجيه المربي ومناقشته للطفل عندما يستدعي الأمر لذلك.
إن طرح بعض الأسئلة على الطفل بعد أي عملية اختيار تجعله يعي الأسباب التي دفعته لهذا الاختيار ،كما تمكن المربي من تعزيز ما هو صحيح أو إيجابي منها، ومناقشة أو تعديل ما هو سلبي غير صحيح، ويمكن للمربي في حال عجز الطفل عن ذكر تلك الأسباب أن يذكر له بعضها بناءً على خلفية معرفته بطبيعة الطفل وشخصيته وذلك بصيغة السؤال (هل يعجبك لونه أم شكله أم…)، فيمكن سؤاله مثلاً عن سبب اختياره للباس معين دون الآخر، وهنا قد يذكر الطفل عدة أسباب منها أنه يحبه أو يريحه أو تعجبه ألوانه أو لأن صديقه يلبس مثله أو …، عندها يقوم المربي بتعزيز ما يلزم وتأطير ما يحتاج إلى تأطير والمناقشة لما ينبغي، مع التنبيه أنه ينبغي على المربي أن يحذر أثناء ذلك أن يقود الطفل لرأيه هو، وإنما يهدف لتعليمه الآلية الصحيحة للاختيار، والعمل على نقل مفضلاته من منطقة اللاوعي إلى منطقة الوعي، فيتمكن الطفل من إدراكها وتوجيهها وتعميم خبراته وتدعيمها.
إن أساليب التربية على حرية الاختيار لا يلزم بالضرورة أن تكون نتيجتها الوصول إلى خيارات محددة وإنما تثبيت الضوابط والمعايير والأسس التي تقوم عليها عملية الاختيار وبالتالي تمكين الطفل من ممارسة هذه العملية بأسلوب صحيح في أي موقف أو حدث يمر به.
ما ذكر أعلاه هو بعض من الأساليب التي تعين على تربية الطفل على حرية الاختيار وتوجيهه لحسن الاختيار ويمكن لكل مربٍ استخدام أساليبه وإثراء العملية التربوية بها، وتبقى عملية التربية عملية مستمرة متطورة.

الإضاءات

  • على المربي أن يعي رغبات طفله وميوله، وأن يدرك طبيعة شخصيته وتفكيره، ثم يبدأ بناء على ذلك باتخاذ الأساليب المناسبة التي تتناسب مع الطفل وتصقل شخصيته.

  • يمكن للمربي أن يضع الطفل في مواقف حياتية معينة يحتاج فيها للاختيار ومن ثم يطلب منه أن يحدد اختياراته فيها، كما يمكنه أن يطلب من الطفل أن يقوم بعدة اختيارات يومياً فيطلب منه أن يختار صنف الغداء مثلاً مع متابعة عملية التوجيه.

  • لا يلزم بالضرورة أن تكون نتيجة أساليب التربية على حرية الاختيار هي الوصول إلى خيارات محددة وإنما تثبيت الضوابط والمعايير والأسس التي تقوم عليها عملية الاختيار وتمكين الطفل من ممارستها بأسلوب صحيح في أي موقف أو حدث يمر به.

لفتة قصصية

أحاط أخته بعناية خاصة ليختار لها ما يحبُّ هو، ويشتري لها ما يَشتهيهِ هو، ظنَّاً منهُ أنَّه أكثر علماً ودراية، فرأيه سيوفرُ عليها الخطأ ويجعلها أقرب للصواب، أو لأنَّه الأكبر فهو أقدرُ على أن يرعى مصالحها ويحيطها باهتمامه وعنايته، إلا أنَّها رفضت اختيارَه وأخبرت والديها بانزعاجها قائلةً (أحب أن أختار)…
“كيف عالج والديها الأمر؟!”  نقرأ ذلك في قصة (أحب أن أختار) http://goo.gl/uZrrOz