اليوم يدور الزمان .. ويبدأ الوجه المظلم للقرون الأخيرة في حياة المسلمين في الانحسار، وتشرق شمس يوم جديد في بلاد الإسلام. وما مرَّ على أمَّة العقيدة من سنن، قد مر على أمم أخرى قبلها سادت، ثم بادت. هيا بنا ننظر إلى بعض السنن الكونية التي ذهبت بهذه الأمم.

هناك أمم وصلت – بمقياس الأرض – إلى أمجاد ضخمة، وتمكنت في الأرض قرونا عدة، وسيطرتْ على مساحات واسعة من الأرض، وملكت من وسائل القوة الكثير، ثم انتهت، وزالت تماما كأن لم تكن قط. كَما حدث للإمبراطورية الرومانية أكبر إمبراطوريات التَّاريخ، والإمبراطورية الفارسية التي كانت تتقاسم معها السيادة على الأرض. وجرى ذلك كلُّه- سواء في التمكين والقوة أو الدمار أو الزوال- حسب سنن ربانية لا تتبدل، وحسب مشيئة ربانية هي التي أجرت هذه السنن في الحياة البشرية {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يحكم لا معقب لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (الرَّعد 41).

ولكن أمة العقيدة.. هل تجري عليها السنن نفسها التي تجري على الجاهليات..؟       

يرى ابن خلدون- من دراسته للتاريخ- أن هناك «سُنَّة» تزول الدول بمقتضاها؛ هي سنة «الشيخوخة». فالدول في رأيه تولد ضعيفة، ثم تقوى وتعظم، ثم تهرم (تكبر) كَما يهرم الفرد فتذبل ملكاتها، وتتلاشَى طاقاتها، فتصير إلى الزوال، ويردد المؤرخ الإنجليزي «توينبي» ذات الفكرة عن ابن خلدون.

وقد يكون ما يقوله ابن خلدون، ويردده من بعده توينبي صحيحا بالنسبة للجاهليات؛ فالجاهليات تقوم على شعوب بعينها. فإذا كان من سنة الله أن تهرم الشعوب كما يهرم الأفراد (لا نجزم بأن هناك سنة)، وإن كان هناك من الظواهر التاريخية ما يساعد على هذا الافتراض، وفي هذه الحالة قد يكون الترف الذي يصيب الأمم القوية هو «الدَّاء» الذي يؤدي إلى القضاء. فمن الممكن أن تصاب الدول التي تنشئها تلك الشعوب بداء (مرض) الشيخوخة بعد فترة معينة من عمرها؛ مهما يكن لها في فترة شبابها وقوتها من عوامل القوة التي تبدو غير قابلة للزوال.

ولكن أمة العقيدة لا تقوم على شعب بعينه، إنما تقوم على (العقيـدة)، وهي عنصر له صفة الدوام. وهذا فارق رئيس بينها وبين الأمم الأخرى التي تنشأ في الجاهليات؛ فارق يجعل هذه الأمة خاضعة لسُنن أخرى غير السنن التي تجري على الأمم الجاهلية، ويجعل مصيرها غير مصير هؤلاء.

وعلى سُنَّة (أمة العقيدة) تسير أمة الإسلام، الأمة الوسط، فإن الله – تعالى – قد أوضح ذلك في كثير من آيات القرآن {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} (آل عمران ١١٠)  فعلى هذا، فليس لغير أمة الإسلام الاستمرار والدوام؛ لأن أهل الكتاب تركوا الإيمان، وانشغل أكثرهم بالفسوق والعصيان.

وبذلك مهما بدا للناظرين أن أمَّة الإسلام قد انتهت، وضعفت، وشَاخت (كبرت)، فإن ذلك من وساوس الشيطان، وليس من السنن التي أودعها الله – تعالى- في خلقه. هذا فضلا عن الوعود الكثيرة في القرآن الكريم التي توضح أن العاقبة للمتقين مهما كانت أحداث زوال الدول وتغيرها وصفتها وشيخوختها.

.

.

.

.

.

.

.

المصدر:

10-500x544

.

.

إصدارات مناهج العالمية – تعلّم العربية – الصف العاشر/ الفصل الدراسي الأول http://goo.gl/D3UugS